.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........


 

الحق لا يشتبه بباطل ، إنما يُـمَـوَّه الباطل عند من لا فهم له .

هذا في حق من يدعي النبوات ، وفي حق من يدعي الكرامات .

أما النبوات فإنه ادعاها خلق كثيـر ، ظهرت قبائحهم ، وبانت فضائحهم ، ومنها ما أوجبته خسة الهمة ، والتهتك في الشهوات ، والتهافت في الأقوال و الأفعال ، حتى افتضحوا .

فمنهم الأسود العنسي (1) ، ادعى النبوة ، ولقب نفسه ذا الخمار (2)  ؛ لأنه كان يقول : يأتيني ذو الخمار ، وكان أول أمره كاهناً يُشَعْوِذ فيظهر الأعاجيب ، فخرج في أواخر حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم فكاتبته مذحج ونجران ، وأخرجوا عمرو بن حزم و خالد بن سعيد صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصفا له اليمن ، و قاتل شهر بن باذان فقتله ، وتزوج ابنته فأعانت على قتله ، فهلك في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وبان للعقلاء أنه كان يُشعبذُ .

و منهم مسيلمة (3) ، ادعى النبوة و تسمى رحـمان اليمامة ؛ لأنه كان يقول : الذي يأتيني رحمان ، فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وادعى أنه قد أُشْرِك معه ! فالعجب أنه يؤمن برسول ، ويقول إنه كذاب !

ثم جاء بقرآن يضحك الناس ، مثل قوله : يا ضفدع بنت ضفدعين ، نقي ما تنقين ، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ! ومن العجائب شاة سوداء تحلب لبنا أبيض ! فانـهتك ستره في هذه الفصاحة .

ثم مسح بيده على رأس صبي فذهب شعره ! وبصق في بئر ، فيبست !

و تزوج سجاح (4) التي ادعت النبوة ، فقالوا : لا بد لها من مهر ، فقال : مهرها أني قد أسقطت عنكم صلاة الفجر و العتمة .

و كانت سجاح هذه قد ادعت النبوة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستجاب لها جماعة ، فقالت : أعدوا الركاب ، و استعدوا للنهاب ، ثم أعبـروا على الرباب (5) ، فليس دونهم حجاب ، فقاتلوهم .

ثم قصدت اليمامة ، فهابـها مسيلمة ، فراسلها وأهدى لها ، فحضرت عنده ، فقالت : اقرأ علي ما يأتيك به جبريل ! فقال : إنكن معشر النساء خلقتن أفواجاً ، وجعلتن لنا أزواجا ، نولجه فيكن إيلاجاً . فقالت : صدقت أنت نبي .

فقال لها : قومي إلى المخدع ، فقد هيىء لك المضجع ، فإن شئت مستلقاة ، و إن شئت على أربع ، و إن شئت بثلثيه ، و إن شئت به أجمع ، فقالت : بل به أجمع ، فهو للشمل أجمع .

فافتضحت عند العقلاء من أصحابـها ، فقال منهم عُطارد بن حاجب (6) :

ثم إنـها رجعت عن غيها و أسلمت .

 و ما زالت تبين فضائح مسيلمة حتى قتل (8) .

و منهم طليحة بن خويلد (9) ، خرج بعد دعوى مسيلمة النبوة ، وتبعه عوام ، ونزل سَـمِـيـراً ، فتسمى بذي النون ، يقول : إن الذي تأتيه يقال له ذو النون .

و كان من كلامه : إن الله لا يصنع بتـعـفيـر وجوهكم ، ولا فتح أدباركم شيئاً ؛ فاذكروا الله أعفة قياماً ! و من قرآنه : و الحمام و اليمام ، و الصرد (10) الصوام ، ليبلغن ملكنا العراق والشام .

تبعه عيينة بن حصن  (11) ، فقاتله خالد بن الوليد ، فجاء عيينة إلى طليحة فقال : ويحك أجاءك الملك ؟ قال : لا ، فارجع فقاتل ، فقاتل ، ثم عاد ، فقال : أجاءك ؟ فقال: لا ، فعاد فقاتل ، ثم عاد ، فقال : أجاءك ؟ قال : نعم ، قال : ما قال لك ؟ قال : قال إن لك رحى كرحاه وحديثا لا تنساه ، فصاح عيينة : الرجل والله كذاب .

فانصرف الناس منهزمين ، وهرب طليحة إلى الشام ، ثم أسلم وصح إسلامه و قتل بنهاوند  (12) .

و ذكر الواقدي : أن رجلاً من بني يربوع يقال له : جندب بن كلثوم (13) ، كان يلقب كرداناً ، ادعى النبوة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يزعم أن دليله على نبوته أنه يُسْرِجُ مسامير الحديد و الطين  ؛ و هذا لأنه كان يطلي ذلك بدهن البيلسان فتعمل فيه النار .

و قد تنبأ رجل يقال له كهمش الكلابي ، كان يزعم أن الله تعالى أوحى إليه : يا أيها الجائع ، اشرب لبناً تشبع ، و لا تضرب الذي لا ينفع ، فإنه ليس بمقنع .

وزعم أن دليله على نبوته أنه يُطرح بين السباع الضارية فلا تأكله ، وحيلته في ذلك أنه يأخذ دهن الغار وحجر البرسان وقنفدا محرقاً وزبد البحر وصدفاً محرقاً مسحوقاً وشيئاً من الصبَـر والـحَبَط ، فيطلي به جسمه ، فإذا قربت منه السباع فشمت تلك الأرياح و زفورتـها نفرت .

وتنبأ بالطائف رجل يقال له أبو جعوانة العامري (14) ، و زعم أن دليله أنه يطرح النار في القطن فلا يحترق ؛ و هذا لأنه يدهنه بدهن معروف .

و منهم هذيل بن يعفور من بني سعد بن زهيـر ، حكى عنه الأصمعي أنه عارض سورة الإخلاص فقال : قل هو الله أحد ، إله كالأسد ، جالس على الرصد ، لا يفوته أحد .

ومنهم هذيل بن واسع كان يزعم أنه من ولد النابغة الذبـيانـيّ ، عارض سورة الكوثر ، فقال له رجل ما قلت ؟ فقال : إنا أعطيناك الجواهر ، فصل لربك وجاهر ، فما يردنك إلا كل فاجر .

فظهر عليه السنوريّ فقتله وصلبه على العمود ، فعبـر عليه الرجل فقال : إنا أعطيناك العمود ، فصل لربك من قعود ، بلا ركوع ولا سجود ، فما أراك تعود .

وممن ظهر فادعى أنه يوحى إليه ، المختار بن أبي عبيد (15) ، و كان متخبطاً في دعواه ، وقتل خلقاً كثيـراً ، وكان يزعم أنه ينصر الحسين رضوان الله عليه ، ثم قتل  .

و منهم حنظلة بن يزيد الكوفي (16) ، كان يزعم أن دليله أنه يدخل البيضة في القنينة ويخرجها منها صحيحة ؛ وذاك أنه كان ينقع البيضة في الخل الحامض ، فيلين قشرها ، ثم يصب ماء في قنينة ، ثم يدس البيضة فيها ، فإذا لقيت الماء صلبت .

وقد تنبأ أقوام قبل نبينا صلى الله عليه و سلم ، كزرادشت (17) ، وماني (18) ، وافتضحوا .

وما من المدعين إلا من خذل .

و قد جاءت القرامطة (19) بحيل عجيبة ، و قد ذكَرتُ جمهور هؤلاء وحيلهم في كتابي التاريخ المسمى بـ (( المنتظم )) و ما فيهم من يتم له أمر إلا ويفتضح .

ودليل صحة نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم أجلى من الشمس : فإنه ظهر فقيـراً والخلق أعداؤه ، فوُعِد بالملك فَمَلَكَ ، وأخبـر بـما سيكون فكان ، وصين من زمن النبوة (20) عن الشره وخساسة الهمة والكذب والكبـر ، وأُيـِّـد بالثقة والأمانة والنـزاهة والعفة ، وظهرت معجزاته للبعيد و القريب .

و أُنزِل عليه الكتاب العزيز الذي حارت فيه عقول الفصحاء ، و لم يقدروا على الإتيان بآية تشبهه فضلاً عن سورة .

وقد قال قائلهم وافتُضح ، ثم أخبـر أنه لا يعارض فيه كما قال ، وذلك قوله تعالى : ((فَـأْتـُـواْ بِسُورَةٍ )) ثم قال : (( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ))  و كذلك قوله : ((النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ .... وَلَن يَتَمَنَّوْهُ )) فما تمناه أحد إذا لو قال قائل : قد تمنيته لبطلت دعواه .

وكان يقول ليلة غزاة بدر : غداً مصرع فلان ههنا ، فلا يتعداه (21) .

و قال : (( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده )) (22) فما ملك بعدهما من كان له كبير قدر ، ولا من استتب له حال .

و من أعظم دليل على صدقه أنه لم يرد الدنيا ، فكان يبيت جائعاً ، ويؤثر إذا وجد ، ويلبس الصوف ، ويقوم الليل (23).... وإنما تُطْلَب النواميس لاجتلاب الشهوات ، فلما لم يُرِدْها دل على أنه يدل على الآخرة التي هي حق .

ثم لم يزل دينه حتى عم الدنيا ، و إن كان الكفر في زوايا الأرض ، إلا أنه مخذول .

و صار في تابعيه من أمته : من الزهاد الذين لو رآهم الرهبان تـحيـروا في صدق زهدهم ، والفطناء الذين لا نظير لهم في القدماء .

أو ليس قوم موسى يعبدون بقرة ، ويتوقفون في ذبح بقرة ، ويعبـرون البحر ، ثم يقولون : اجعل لنا إلها ؟ وقوم عيسى يدخرون من المائدة وقد نـهوا ! والمعتدون في السبت يعصون الله لأجل الحيتان ؟ وأمتنا بحمد الله تعالى سليمة من هذه الأشياء ، وإنما في بعضها ميل إلى الشهوات المنهي عنها ، وذلك من الفروع لا من الأصول ، فإذا ذُكِّروا بكوا وندموا على تفريطهم (24) .

فنحمد الله على هذا الدين ، وعلى أننا من أمة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم .

و قد كان جماعة من المتصنعين بالزهد مالوا إلى طلب الدنيا و الرياسة ، فاستغواهم الهوى ، فخرَّقوا (25) بإظهار ما يشبه الكرامات ، كالحلاج (26) ، و ابن الشاش (27) ، وغيرهما ممن ذكرت حال تلبيسه في كتاب (( تلبيس إبليس )) و إنما فعلوا ذلك لاختلاف أغراضهم .

 و لم يزل الله ينشىء في هذا الدين من الفقهاء من يظهر ما أخفاه القاصرون ، كما ينشىء من علماء الحديث من يهتك ما أشاعه الواضعون ؛ حفظاً لهذا الدين ودفعاً للشبهات عنه ، فلا يزال الفقيه والمحدث يظهران عوار كل مُلَـبِّس بوضع حديث أو بإظهار دعوى تَـزَهُّـد وتنميس ، فلا يؤثر ما ادعياه إلا عند جاهل بعيد من العلم و العمل .

{لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (8) سورة الأنفال .

نقلاً عن (( صيد الخاطر )) لابن الجوزيّ رحمه الله تعالى ، ص : (650-659)

ــــــــــــــــــــــــ

 (1) الأسود العنسي : هو عيهلة بن كعب المذحجي ، المتنبيء ، المشعوذ ، اليمني ، وكان مقتله سنة 11هـ .

 انظر (( الكامل )) لابن الأثيـر (2/137) .

(2) قال ابن الأثير في (( الكامل )) (2/210) سنة 11هـ : (( وكان يلقب ذا الخمار ، لأنه (كان ) معتمًا متخمرًا أبدًا ، وانظر أيضًا : (( تاريخ الطبري )) (2/247) سنة 11 هـ .

(3) مسيلمة : هو ابن ثمامة الحنفي الكذاب ، ولد ونشأ باليمامة ، وتلقب بالرحمان ، وكان مقتله سنة 12هـ .

انظر (( الكامل )) لابن الأثيـر (2/137) .

(4) بنت الحارث التميمية ،كانت شاعرة أديبة عارفة بعلم الكتاب والأخبار ، توفيت حوالي 55 هـ بعد أن تابت .

 انظر (( تاريخ الطبري )) (2/268) سنة 11هـ .

(5) من قبائل العرب .

(6) خطيب ، شاعر ، من سراة بني تميم ، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد واتبع سجاحا ، ثم عاد إلى الإسلام ، توفي نحو 20 هـ .

 انظر ترجمته في : (( الإصابة )) (2/483) .

(7) الرُّعيث : مصغرًا : نوع من الآنية .

(8) وانظر هذه الأخبار وكثيـرًا من أشباهها في (( تاريخ الطبري )) (2/275) سنة 11 هـ ، و (( الكامل )) لابن الأثير (2/218) سنة 11هـ .

(9) الأسدي : من الفصحاء ، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة 9هـ ، ثم ارتد وادعى النبوة ، فقاتله خالد ، وفر إلى الشام ، ويقال : رجع إلى الإسلام ، وبايع عمر في المدينة ، واستشهد بنهاوند سنة 21هـ .

انظر (( الإصابة )) (2/234) .

(10) الصُّـرَد : نوع من الطيور .

(11) عيينة بن حصن فزاري ، أسلم قبل الفتح ، وشهد حنينًا والطائف ، وأرتد ، ثم رجع إلى الإسلام ، وعاش حتى خلافة عثمان رضي الله عنه .

 أنظر (( الإصابة )) (3/55) .

(12) انظر الخبر في : (( تاريخ الطبري )) (2/261) سنة 11هـ ، و (( الكامل )) لابن الأثير (2/280) سنة 11هـ .

(13) قال محقق الكتاب : لم أجد له ترجمة .

(14) قال محقق الكتاب : لم أعرفه .

(15) كان أبوه من جِلَّة الصحابة ، ولد عام الهجرة ، وليس له صحبة ولا رؤية ، وأخباره ظلمات بعضها فوق بعض ، قتله مصعب بن الزبير سنة 67هـ .

 انظر ترجمته وسوء سيرته : (( الإصابة )) (3/518) .

(16) قال محقق الكتاب : لم أعرفه .

(17) الذي تزعم المجوس أنه نبيهم ، كان – فيما زعم أهل الكتاب – خادمًا لبعض تلامذة النبي إرميا ، فخانه وكذب عليه ، فدعا عليه ، فبرص ، فلحق بأذربيجان ، وشرَّع فيها المجوسية ، وذلك في أيام بـخـتـنصَّر .

 انظر (( تاريخ الطبري )) (1/317)  .

(18) الزنديق الذي ظهر أيام سابور بن أردشير ، وقتله بـهرام بن هرمز بعد أن خبره وعلم أنه داعية للشيطان ، وأمر بقتله وسلخ جلده وتعليقه على باب مدينة جنديسابور .

(19) فرقة باطنية تنسب إلى حمدان قرمط ، أصله من خووستان ، ظهر بسواد الكوفة سنة 258هـ ، وأظهر الزهد والتقشف حتى اغتر به كثير من الطغام ، ثم دعاهم إلى معتقده الخبيث ، وأظهر الكفر والإلحاد ، وكثر دعاته ، واشتهر أمره ، حتى كان مقتله – في أغلب الظن – سنة 293هـ على يد المكتفي العباسي ، لكن أمر جماعته ظل في نمو وازدياد حتى صارت لهم دولة واجتاحوا مكة سنة 317 هـ ، وقتلوا المسلمين ، وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وبقي عندهم حتى مزق الله دولتهم وشتت شملهم سنة 339هـ فتفرقو في الفرق الباطنية الأخرى كالنصيـرية والإسماعيلية .

 انظر (( اعتقادات فرق المسلمين والمشركين )) ص (122) .

(20) بل ومنذ ولادته صلى الله عليه وسلم .

(21) راواه : مسلم (32- كتاب الجهاد والسير ، 30 باب غزوة بدر ، 3/1403/1779 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .

(22) متفق عليه .

(23) وكل ذلك ثابت صحيح معروف ،والنبي صلى الله عليه وسلم لبس الصوف ، كما هو متفق عليه ، من حديث المغيرة بن شعبه رضي الله عنه ، ولكنه لم يقتصر عليه ، بل لبس القطن وغيره كما هو معلوم .

(24) بل والله ، لو رأى ابن الجوزي الحيل التي يحتال بها كثير من المسلمين اليوم لأكل الربا ومنع الزكاة واستحلال ما حرم الله ، لهان عنده فعل بني إسرائيل في سبتهم ، وإنا لله وإنا إليه راجعوان .

(25) التخرق والمخرقة : نوع من أنواع الشعوذة والتدجيل .

(26) الحلاج : هو الحسين بن منصور الصوفي الباطني ، الذي تبـرأ منه أهل العلم والصوفية وسائر أشياخه في عصره لمروقه وزندقته وسوء سيـرته وسلوكه وضلال عقيدته ، صلبه المقتدر العباسي سنة 309هـ .

 انظر ترجمته في : (( تاريخ بغداد )) (8/112) و (( وفيات الأعيان )) (2/140) .

(27) قال محقق الكتاب : لم أعرفه ، ولعل فيه تصحيفًا .

 

 

 

 

 

Web Traffic Statistics