.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........



المعجزة واحدة معجزات الأنبياء الدالة على صدقهم صلوات الله عليهم ، وسميت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها .

وشرائطها خمسة ، فإن اختل منها شرط لا تكون معجزة :

فالشرط الأول من شروطها : أن تكون مما لا يقدر عليها إلا الله سبحانه .

وإنما وجب حصول هذا الشرط للمعجزة لأنـه لو أتى آت في زمان يصح فيه مجيء الرسل ، وادعى الرسالة ، وجعل معجزته أن يتحرك ويسكن ، ويقوم ويقعد ، لم يكن هذا الذي ادعاه معجزة له ، ولا دالاً على صدقه ؛ لقدرة الخلق على مثله ، وإنما يجب أن تكون المعجزات كفلق البحر ، وانشقاق القمر ، وما شاكلها مما لا يقدر عليها البشر .

والشرط الثاني : هو أن تـَـخْـرِقَ العادة .

وإنما وجب اشتراط ذلك لأنه لو قال المدعي للرسالة : آيتي مجيء الليل بعد النهار ، وطلوع الشمس من مشرقها ، لم يكن فيما ادعاه معجزة ، لأن هذه الأفعال وإن كان لا يقدر عليها إلا الله ، فلم تفعل من أجله ، وقد كانت قبل دعواه على ما هي عليه في حين دعواه ، ودعواه في دلالتها على نبوته كدعوى غيـره ، فبان أنه لا وجه له لاستشهاده بـها يدل على صدقه ، والذي يستشهد به الرسول عليه الصلاة و السلام له وجه يدل على صدقه ، وذلك أن يقول : الدليل على صدقي أن يخرق الله تعالى العادة من أجل دعواي عليه الرسالة ، فيقلب هذه العصا ثعبانا ، ويشق الحجر ويخرج من وسطه ناقة ، أو يُـنْـبِعَ الماء من بين أصابعي كما يُـنْـبِـعُـه من العين ، أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادات التي ينفرد بـها جبار الأرض والسموات ، فتقوم له هذه العلامات مقام قول الرب سبحانه - لو أسمعنا كلامه العزيز وقال - : صدق ، أنا بعثته .

ومثال هذا المسألة - ولله ولرسوله المثل الأعلى - ما لو كانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض ، وقال أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه : الملك يأمركم - أيها الجماعة - بكذا وكذا ، ودليل ذلك أن الملك يصدقني بفعل من أفعاله ، وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصدًا بذلك تصديقي ، فإذا سمع الملك كلامه لهم ، ودعواه فيهم ، ثم عمل ما استشهد بـه على صدقه ، قام ذلك مقام قوله - لو قال - : صدق فيما ادعاه علي .

فكذلك إذا عمل عملا لا يقدر عليه إلا هو ، وخرق به العادة على يد الرسول ، قام ذلك الفعل مقام كلامه تعالى لو أَسْـمَـعَـنَاه وقال : صدق عبدي في دعوى الرسالة ، وأنا أرسلته إليكم فاسمعوا له وأطيعوا.

والشرط الثالث : هو أن يستشهد بـها مدعي الرسالة على الله عز وجل .

فيقول: آيتي أن يقلب الله سبحانه هذا الماء زيتاً ، أو يحرك الأرض عند قولي لها : تزلزلي ، فإذا فعل الله سبحانه ذلك حصل المتحدَّى به .

 الشرط الرابع : هو أن تقع على وفق دعوى المتحدي بـها المستشهد بكونـها معجزة له .

وإنما وجب اشتراط هذا الشرط لأنه لو قال المدعي للرسالة : آية نبوتـي ودليل حجتي أن تنطق يدي أو هذه الدابة فنطقت يده أو الدابة بأن قالت : كذب وليس هو بـنـبـي ، فإن هذا الكلام الذي خلقه الله تعالى دال كذب المدعي للرسالة ، لأن ما فعله الله لم يقع على وفق دعواه .

وكذلك ما يروى أن مسيلمة الكذاب - لعنه الله - تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت البئر ، وذهب ما كان فيها من الماء ، فما فعل الله سبحانه من هذا كان من الآيات المكذبة لمن ظهرت على يديه ، لأنـها وقعت على خلاف ما أراده المتنبئ الكذاب .

والشرط الخامس : من شروط المعجزة ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدى على وجه المعارضة .

فإن تم الأمر المتحدِّي به المستشهَد به على النبوة على هذا الشرط مع الشروط المتقدمة فهي معجزة دالة على نبوة من ظهرت على يده ، فإن أقام الله تعالى من يعارضه حتى يأتـي بمثل ما أتى به ويعمل مثل ما عمل بطل كونه نبيا ، وخرج عن كونه معجزا ولم يدل على صدقه ، ولهذا قال المولى سبحانه : {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ } (34) سورة الطور وقال : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } (13) سورة هود كأنه يقول : إن ادعيتم أن هذا القرآن من نظم محمد صلى الله عليه وسلم وعمله فاعملوا عشر سور من جنس نظمه ، فإذا عجزتم بأسركم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من نظمه ولا من عمله .

لا يقال ، إن المعجزات المقيدة بالشروط الخمسة لا تظهر إلا على أيدي الصادقين ، وهذا المسيح الدجال فيما رويتم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم يظهر على يديه من الآيات العظام ، والأمور الجسام ، ما هو معروف مشهور .

فإنا نقول :ذلك يدعي الرسالة ، وهذا يدعي الربوبية ، وبينهما من الفرقان ما بين البصراء والعميان ، وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق إلى بعض غيـر مـمتنعة ولا مستحيلة ، فلم يبعد أن يقيم الله تعالى الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة .

 ودلت الأدلة العقلية أيضا على أن المسيح الدجال فيه التصوير والتـغيـيـر من حال إلى حال ، وثبت أن هذه الصفات لا تليق إلا بالمحدَثات ، تعالى رب البـريات عن أن يشبه شيئًا أو يشبهه شي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (11) سورة الشورى .

 

 

 

 

Web Traffic Statistics