.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........


الحمد لله الذي بـيّـن لنا خطر أنفسنا التي نحملها بين جنوبنا علينا ، فـقـال جــل وعز : { ... إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ ... } الآيـة (53) من سورة يوسف وصلى الله وسلم على من حذرنا من الرياء ، وسائر أمراض القلوب ، ورضي الله عن أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد  : فإن المسلم - ولا سيما المكلف بتوجيه الناس وتعليمهم - مـحـاط بخمسة أعداء أشار إليهم الشاعر بقوله :

وهؤلاء الأعداء المتربصون بالمسلم لا يكفّون عنه حتى يرحل عن دنياه ، ولا يملّون كمـا يملّ فهم في ملاحقة مستمرة ، لا سيمـا أستاذ هؤلاء الأعداء جميعًا (( إبليس )) نعوذ بالله من شره ، فهو أعظم دافع للنفس إلى الوقوع في السيئات ، والتفكير في الخطايا .

وهذا الـمـقال يـتـناول عدوًا من هؤلاء الأعداء الخمسة ، وهو مرض فتاك ، وأسهل طريق إلى الرياء إنــه يا بني مرض حظ النفس .

والحظ - كمـا في قواميس اللغة - النصيب والجدّ ، فإذا أعطي الإنسان موهبة تثير إعجاب الناس وثناءهم ، شعر هذا الموهوب أن من حقه أن يُدِل بهذه الموهبة على الناس ، ويظهر زهوه وافتخاره بها ، مالم يمنعه وازع دينيّ .

وهذا العدو - كما ترى في العنوان - أضيف إلى عدو آخر للمسلم هو نفسه الأمارة بالسوء فأنظر إلى هذا التلاقح النَّحِس الذي يحتاج من المسلم إلى يقظة تـــامـة ، ومجاهدة دائبة وترويض لهذه النفس حتى تستقيم على هدى الله وشرعه ، وحتى تكون داخلة تحت الاستثناء الإلهيّ : { ... إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ ... }.

* مظاهر حظوظ النفس :

هناك مظاهر لحظوظ النفس كثيرة يخطئها العدّ ، وسأكتفي باليسير مما يحضرني .

 فمن مظاهر هذه الحظوظ :

1) الحرص الشديد ، والرغبة الجامحة في الظهور أمام الجمـاهير بصورة لافتة ، ولاسيمـا في الفضائيات حتى إنك لترى بعض الدعاة يظهر الواحد منهم في ثلاث قنوات أو أربع في وقت واحد ، ولا أدري متى يعطي هؤلاء وقتًا لأهلهم وأولادهم ولأنفسهم قبل ذلك .

وأصبح كثيرون منهم يـجـتـرُّون أنفسهم ، ولا تسمع إلا كلامًا ركيكًا يستره المتحدث بقدرته على الصراخ ، وكثرة الحركة التي تشبه حركات الغريق .

إنني لا أعترض على استغلال الفضائيات النظيفة و النظيفة نسبيًّا ، ولكن بالقدر الذي يمكِّن الداعية من تقديم النافع الـهادف ، فهي منابر تبلّغ الكلمة إلى أقاصي الدنيا .

ولا أتهم النوايا ، فالنوايا يعلمها خالقها ، ولكن أحكم على مظاهر تتنافى مع الصدق ، وتشي بسلوك يدل على مرض حظ النفس .

ومن الأمثلة على ذلك اعتذار بعض الدعاة عن إلقاء بعض المحاضرات في المساجد الصغيرة بحجة كونها لا تستوعب جمهورًا غفيرًا ، وتسمع بعضهم يتحدث في المجالس إذا ألقى محاضرة أن الحضور كان غير عاديّ  وهذا كان قبل سنوات قليلة خلت .

وحين انتشرت الفضائيات انصرف كثير من هؤلاء المشايخ عن إلقاء الدروس والمحاضرات ، وكادت المساجد أن تقفر من الدروس ، وحجة هؤلاء الدعاة أن الدروس والمحاضرات يحضرها العشرات ، أما الفضائيات فإنك تخاطب الملايين .

وفي الفضائيات يبرز حظ النفس أكثر ، وتسمع الإطراء المخجل من مقدمي البرامج لمن يستضيفونهم ، ولا تسمع من هؤلاء المستضافين إنكارًا على ترتيل المديح ، كعبارات ((  المتألق دائمـًا ))  و (( ونحن الآن مع شخصية استثنائية )) و (( فلان غنيّ التعريف )) إلى غير ذلك من الإطلاقات الفجة .

وتُشغَّل مئات الهواتف المحمولة لحث الناس على سماع تلك المقابلة ، أو سماع ذلك البرنامج .

وهذا أمر حسن لو كان القصد هو توسيع دائرة الانتفاع ، ولكن القصد الأول هو الدعاية لذلك الداعية .

إن العمل يكون صاحبه في الأصل مخلصًا فيه ، ولكن تعرضه لشائبة من هذه الشوائب الدعائية تفسده وتجعل الإخلاص لله غير خالص .

ولقد اشتهرت مقولة الإمام مالك رحـمـه الله تـعالى : (( ما كان لله بقي )) (1) وذلك أنه حينمـا ألـف كتـابه (( الموطأ )) ألف آخرون من أهل العلم موطـآت كثيرة ، واندثرت تلك الموطـآت كلها ، وبقي موطأ مالك خالدًا إلى الآن .

فهل الذي صنــفــوا هذه الموطآت لم يكونوا مخلصين ، لا ، وحاشا ، وكلا ، ولكن إذا دخـل شيء يسير من حظّ النفس  في العمل كان سببًا في عدم الانـتـفاع به ، والعلم عند الله تعالى .

لقد رأيت قبل مدة من الزمن رؤيا ، وعرضتها على أحد المعبرين البارعين ، فقال لي : تؤلف كتابًا تكون في تأليفه مخلصًا .

فتغير وجهي ، وقلت في نفسي : إن ما سبق من أعمـال مشوب بشيء من حظ النفس ، فاللهم غفرانك .

إن تمحض العمل لله وحده أمر عسير ، وتلوثه بشيء من حظوظ النفس واقع خطير ، فاللهم أعنا على أنفسنا الأمارة بالسوء .

2) ومن مظاهر حظوظ النفس : الحرص الـمُـلْـهِـب على التصنيف وكثرة التأليف بطريقة سمجة ممجوجة ، والمتأمل في حال بعض المشاهير يرى أمراً عجيبًا ، حيث تُسخَّر لهم الإمكانات المالية ، وتُـهَـيأ من أجلهم فرق العمل لتفريغ محاضراتهم المسجلة ، وجـمـع مقالاتهم المنشورة في الصحف ، لتُخرج في كتب  وتُنفق الأموال في الدعاية لـهـا ، وتُـجـرى المقابلات في الفضائيات معهم حول هذه الكتب .

ويساعد على هذا تهافت دور النشر على طباعتها لأنها من تصنيف فلان من هؤلاء المشاهير ، ولأنها قبل ذلك وبعده تُدرّ الأرباح على أصحاب هذه الدور  ؛ لأن جماهير القراء ينخدعون بالشهرة والأغلفة المزوّقة .

و تسل عن ضعف القيمة العلمية في كثير منها ، وفقدان التوثيق لما ينقل فيها من نصوص .

وقد زارني من نحو 15 عامًا شخص من هؤلاء المهووسين بالتأليف، وقال لي : (( لقد ألفت ثلاثون كتابًا )) هكذا بالرفع ، فهممت أن أقوله له : ما إعراب (( ثلاثون )) كمـا نطقها ، فاستحيـيت ؛ لأنه جاءني معزّيًا .

إن شخصًا يزعم أنه مؤلف ، ولا يستطيع أن يقول : ألـفت ثـلاثـين كـتابًا ، كيف يبيح لنفـسه امتهان التأليف ؟!

والهدف واضح يتمثل غالبًا في روم الشهرة أولاً والارتزاق ثانيًا .

وكثير من هذه المصنفات تـعـدها فرق العمل ، ثم يأتي صاحب الفضيلة ، ويضع اسمه على أغلفتها  مكتفيًا في المقدمة بشكر من قدّموا له عونًا .

وهناك مؤلفات يظهر فيها الجهد ، وحسن صناعة التأليف ، والعناية بالتوثيق ، والحمدلله .

ومن أبرز مظاهر حظوظ النفس المتعلقة بالتأليف وضع صورة المؤلف على جبهة غلاف الكتاب ، أو في وسطه ، وهذا في نظري تصرف مضحك ، وسلوك متخلف ، يدل على فراغ في نفس مؤلفه ، يريد أن يملأه بهذا الفضول .

وأقبح منه وضع الصورة على علبة الأشرطة تشبهًا بالـمُـغَـنِّين ، ويا للأسف الشديد ، وفي الغالب يكون المؤلف في صورته مبتسمًـا ابتسامـة مصطنعة مـخـجلة ، ولكنه يرى أن هذا الصنيع لون من ألون الإبداع الإعلامي .

3) ومن مظاهر حظوظ النفس ما نراه من بعض أئمة المساجد ، من حرص عجيب على رفع أصواتهم رفعًا مزعجًا  للمصلين ، فـترى الواحد منهم يلتقم لاقطة المكبر ، فتسمع أنفاسه وشهيقه  وزفيره ، ولقد رأيت عددًا منهم يحركون رقابهم ، وكأنهم يرقصون رقصـًا خفيفًا .

ومن دوافع هذا السلوك شعور بعضهم أن صوته لابد أن يأخذ أوسع مدى له ، ويزيد افـتـتانـًا بهذا حين يرى جمهورًا من الناس يصلون خلفه ، فيتمـادى في الصراخ والتمطيط ، والتعسف في نطق المدود والغنن بالقدر الذي لا يحتمله من له معرفة بقواعد التجويد وحسن الأداء .

وجماهير العوام وأنصاف المتعلمين يعجبهم الصراخ واصطناع البكاء .

ولك أن تتصور ماذا يترتب على الاقتراب من اللاقط من حركات مخلة بالخشوع ، كالتقدم  والتأخر  وتحويل الرأس من جهة إلى أخرى في كل ركعة خشية أن يرتطم رأسه بمكبر الصوت .

أخي المسلم ، أخي الداعية : إن محاسبة أنفسنا ومراقبتها أمران يجب علينا أن نعنى بهمـا أشد العناية ، وأن نسد منافذ الشيطان إليها ، ولنعلم أن أجلّ الأعمـال إذا لم تكن خالصة لوجه الله تعالى فإن أدنى لوثـة من ملوثات حظوظ النفس تفسدها ، ويقل الانتفاع بها ، والله أعلم ما الذي سيقبله ربنا من هذه الأعمال التي لا تسلم من وساوس الشيطان وخطراتـه .

اللهم أرنا الحق حقًّا لنـتـبـعـه ، وأرنا الباطل باطلاً لنجـتـنـبه ، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنظل ، واجعلنا للمتقين إمامًا ، وصلى الله وسلم على البشير النذير ، والسراج المنير ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قول مالك هذا أورده السيوطي في (( تدريب الراوي )) (118/1) ط : دار العاصمة ، والكتاني في (( الرسالة المستطرفة )) ص (9) .

 

 

 

 

Web Traffic Statistics