.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........


الحمد لله القائل :{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} والصلاة والسلام على معلم الناس الخير ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين .

أما بعد : فإن من القطعيات التي لا شك فيها  والمسلّمـات التي لا يجادل فيها عاقل مؤمن أن الله خلق الخلق لحكمة عظيمة ، وهي عبادته تعالى وحده لا شريك له ، وما يلحق ذلك من عمارة الأرض وإصلاحها .

قال الله تعالى :{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }  الآيات ( 56 ) و (57) و (58) من سورة الذاريات .

وقال تعالى :{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}  الآية (25)من سورة الأنبياء ، وسيأتي بيان أن الشعائر التعبدية تملأ ساعات الليل والنهار ، وتشغلها .

 وبهذا ندرك أن الله تعالى خلق الزمان المتمثل في كَرِّ الجديدين : الليل والنهار ، وهما الظرف الذي جعله المولى سبحانه مواسم للعبادات لمن أرد أن يذكر أو أراد شكورًا .

 ولقد أخبرنا جل وعز عن حال الذين ابتعدوا عن هداه وشرعه ، وأضاعوا أعمارهم في صحراء التيه وآثروا الكفر على الإيمـان ، والشقوة على السعادة .

 أخبرنا تعالى عن حالهم فقال : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} الآيتان ( 36) و (37) من سورة فاطر .

 فجعل الله إطالة أعمارهم موجبًا للتذكر والاعتبار ، ولكنهم لم يتذكروا ، ولم يعتبروا ، وأقام تعالى عليهم الحجة بمجيء النذير إليهم ،  لم ينفعهم ذلك مدة أعمارهم .

 وفي ذلك دلالة واضحة على أن قيمة الزمان مرتبطة كل الارتباط بالحكمة من خلق العباد ، والغاية من وجودهم ، وصدق الله جل وعلا إذ يقول : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} الآيتان ( 115) و (116) من سورة المؤمنون .

لذا يجب على طلاب العلم والدعاة أن يكثروا من الحديث عن خصائص الزمن ، التي لا يمكن أن تـتبدل  ولا يستطيع مخلوق أن يتصرف فيها .

وأشهر هذه الخصائص التي ذكرها الدعاة في كتبهم :

          1 - القِصَر :

والقِـصَـر هنا ينصرف إلى العمر ، فمـا يقضيه الإنسان في هذه الحياة وهو وقته الذي يستطيع التصرف فيه  وسيحاسب عليه قصير جدًا ، كمـا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ، وأقلهم من يجوز ذلك )) أخرجه الترمذي وابن حبان في صحيحه ، والحاكم وصححه ووافقه  الذهبي ، والخطيب وابن منده والقضاعيّ ، من طريق أبي سلمة ، وأخرجه أبو يعلى وغيره من طريق أبي صالح : كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه .

ويتبين من هذا الحديث أن أعمـارنا قصيرة بالنسبة إلى السابقين ، وياليت أن هذا العمر يسلم من النقص فإن نحو سدسه طفولة ، والنصف الباقي نوم وراحة ، وجزء كبير في تحصيل للعيش ، ومعاناة للأمراض  وعوارض شتى .

          ولله در القائل :

          2- سرعة انقضائه

ومن خصائص الزمان سرعة انقضائه ، إنه أسرع ذهابًا من الريح المرسلة ، سواء كان أفراحًا أم أتراحًا ، وإن الإنسان ليشعر بأن أيام الأتراح طوال ، وذلك في حسه وشعوره ، وإلإ فهي تجري جري السحاب .

ومهما طال بالإنسان العمر فإن الموت نهايته :

وإذا اشتعل رأسه شيبًا كان له نذيرًا وحاديًا إلى الموت سريع الخطى :

وقال آخر :

وأبلغ من هذا كله قول الله تعالى :{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} الآية (45) من سورة يونس .

وقال تعالى :{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}الآية(46)من سورة النازعات .

3- أن ما انقضى منه لا يمكن أن يعود أو يُعَـوَّض :

 من خصائص الزمن العجيبة أن ما مضى من دقائقه وساعاته وأيامه لا يمكن أن يعود ، بل لا يمكن إيقاف دقيقة منه ، وما خسره الإنسان منه لا يمكن تعويضه .

 ورحــم الله سيد التابعين في زمـانـه الحسن البصري حيث يقول : (( ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا ابن آدم : أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ؛ فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة )) .

 وقد رفعه بعضهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، والمشهور أنه من كلام الحسن رحمه الله ورضي عنه .

 ولهذا لما زال ظل الشباب عن أبي العتاهية رحمه الله تعالى وأيقن أنه لا تعود نضارته ، قال يتمنى أن يعود الشباب ليشكو عليه أيام المشيب :

 

 ورحم الله القائل :

 4- أنه أغلى ما يملكه الإنسان :

 الوقت أغلى ما يملكه الإنسان ، وأنفس شيء وهبه الله له ؛ لأنه لا يعوض بشيء البتة ، وأن ما مضى منه لا يرجع ، وأنه ظل زائل ؛ ولهذا كان أغلى ما يملكه الإنسان كما قال ابن هبيرة رحم  الله تعالى :

 ولكن هذه القيمة لا يدركها إلا من يقدرها قدرها ، أما المفرط فيها فلن يدركها إلا إذا انتهت مدة الإمهال وسيندم على تفريطه في أعظم كنز ندامتين :

 أولاهما عند الاحتضار .

 قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} وما أمَـرّ الجواب على هذه الأمنية الخاسرة {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} الآيات (9) و (10) و (11)  من سورة المنافقون .

فيا أيها العاقل لا تفرط في لحظات عمرك ، واعلم أنها دقائق غالية لا يليق بك أن تفسدها بالغفلة ، وكن مثل أبي الوليد الباجيّ رحمه الله تعالى حيث يقول :

هذه لمحة سريعة عن خصائص الزمن التي ينبغي أن يكثر الحديث عنها ، لعل الغافل يتنبه ، والنائم يستيقظ ، والشارد يؤوب ، والله المستعان .

          إن المتأمل في الشعائر التعبدية يتبين له بجلاء قيمة الوقت في الإسلام ، فتأمل أخي المسلم الصلوات الخمس التي وزعها المولى تعالى على ساعات الليل والنهار ، فلا يكاد الفجر يتنفس ، وتبدأ خيوطه في الظهور حتى ينادي منادي الحق (( الله أكبر * الله أكبر )) ثم (( حيّ على الفلاح )) مثوِّبًا بمـا يؤكد على الفلاح ، ويدفع إلى البدار إليه ، قائلاً  (( الصلاة خير من النوم )) .

فإذا قام قائم الظهيرة ، ومالت الشمس عن كبد السماء صدح ذلك الصوت الجميل ثانية (( الله أكبر )) مناديًا لصلاة الظهر .

وحين يصير ظل كل شيء مثليه : يتردد في الآفاق ذلك الصوت الحبيب إلى نفوس أهل الإيمان ، وأحلاس الطاعة ، يدعو الناس ثالثة إلى الصلاة الوسطى .

ولا يلبث إلا يسيراً ثم يعود ذلك الهتاف الخالد رابعة يقول لرواد بيوت الله (( الله أكبر * حي على الفلاح )) بعد غياب القرص الأخير من الشمس ، لتكون هذه الصلاة خاتمة لصلوات النهار ، وفاتحة لصلوات الليل .

وحين يغيب الشفق الأحمر ، ينطلق منادي الفلاح ، يدعو قوافل الطاعة لختم الصلوات الخمس بصلاة العشاء ، ثم تخلد النفوس إلى النوم بعد ذكر الله تعالى .

والذي يتـأمــل في أحكام الشريعة المطهرة يتبين له أن كثيرًا من الأحكام الشرعية ، والتكاليف الإلهية قد قُيِّدت بأوقات لا تقبل التقديم أو التأخير ، فالصوم حُدِّد بشهر معين ، والحج كذلك ، والزكاة قُيِّدت بـحَـوَلان الحول ، وهكذا سائر العبادات والأحكام كالتيمم ، والمسح على الخفين ، والحيض ، والنفاس  والسفر ، والأضاحي ، والرضاع ، والطلاق ، والعِدَّة ، والرجعة ، والنفقة ، والعقيقة ، وغيرها .

والذي يتأمل أيام العام وشهوره يجدها مواسم لتجار الآخرة ، فالصلوات مواسم يومية ، والجمعة موسم أسبوعيّ ، وهناك مواسم سنوية كشهر رمضان وذي الحجة .

وهكذا ينتقل المسلم : من موسم إلى موسم ، ومن سياحة إيمانية إلى أخرى ، ومن نعيم روحي  إلى آخر  ومن لذة طاعة إلى مثلها(1) ، والحمد لله على فضله العميم .

فيا أخي المسلم :نحن على عتبات إجازة صيفية طويلة ، فلنجاهد أنفسنا على طاعة الله فيها ، ألا وإن من ذاق حلاوة الطاعة أنس بها ، فكانت نزهة نفسه ، وحلاوة روحه ، ومن لم يذق حلاوة الطاعة استوحشت نفسه ، ولن يشبعها التنزه والأسفار في الآفاق ، والاستمتاع بالمشارب والمآكل .

والمسلم الحق من يجمع بين طاعة الله وما أباحه من متع في حدود الشرع الحنيف ، فسافر في ربوع بلدك  واستمتع بما أباحـه الله لك ، ولا تكن مثل الذين ينتظرون هذه الإجازات بفارغ الصبر ليرحلوا إلى تلك الديار الممحومة ، حيث اللحوم المكشوفة ، والأجساد العارية ، فتعود مأزورًا غير مأجور .

أخي الحبيب : ما أحـسن أن يستغل طالب العلم وقته في هذه الإجازة في حفظ كتاب الله ومراجعته ومراجعة المتون العلمية والكتب النافعة ، وإذا لم تكن طالب علم فاختم كتاب الله في الشهر مرات عدة ، فما تقرب العبد المسلم إلى ربه بخير مما تكلم به ، وأنزله غلى خير خلقه صلى الله عليه وسلم .

اللهم وفقنا إلى ما تحب وترضى يا أرحم الراحمين .

ـــــــــــــــــــــ

(1) انظر (( الوقت في حياة المسلم )) للشيخ يوسف القرضاويّ ، ص : (8) .

 

 

 

 

Web Traffic Statistics