.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........


الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام الأتـمّـان الأكملان على خاتم رسله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين .

وبعد : فاستكمـالا لمقال الشهر المنصرم أود أن أذكر صورًا من حياة السلف في استغلال الوقت واستنفاد دقائقه في العلم والعمل .

إن حفاظ أئمة السلف ، ومن تبعهم من الأعلام على مرّ العصور الإسلامية أمر لا ينقضي منه العجب .

وسأورد طرفًا من أقوالهم ، ثم أتبع ذلك بشيء من أخبارهم في حفاظهم على الزمن .

قال الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : (( ما ندمت على شي ندمي على يوم غربت شمسه  نقص فيه أجلي ، ولم يزد فيه عملي )) .

وقال الخليفة التابعي الراشد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه : (( إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهمـا )) .

وقال آخر (( الليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة )) .

وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى : (( ابن آدم  إنما أنت أيام مجتمعة ؛ فإن ذهب يوم ذهب بعضك )) .

وقال : (( أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم )) .

 وقال حكيم : (( من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرضٍ أدّاه ، أو مجد أثّله ، أو حمد حصّله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه وظلم نفسه )) .

          وقال الشاعر علي بن محمد البُستيّ :

 

          وقال عمـارة اليمنيّ  :

 

ولقد طبق سلفنا هذه الأقوال بالعمل ، وإليك نزرًا يسيرًا من أخبارهم :

من هؤلاء وما أكثرهم  الإمام حماد بن سلمة رحمه الله تعالى .

قال عنه تلميذه الإمام عبدالرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى : (( لو قيل لحمـاد بن سلمة : إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا )) .

وهذا أبو يوسف رحمه الله تعالى يذاكر العلم وهو في الرمق الأخير من حياته .

وقال عمار بن رجاء :(( أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل ، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث )) .

وهذا الخبر ليس من نسج الخيال فقد  أورده الخطيب رحمه الله تعالى في كتابه الـمـاتع : (( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع )) (2/178) بإسناده إليه .

ومن هذا الطراز إمام الجرح والتعديل (( يحيى بن معين )) رحمه الله تعالى فقد خلّف له أبوه : ألف ألف درهم فأنفقها كلها في تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه .

روى عنه محمد بن نصر المروزيّ رحمه الله تعالى قال : سمعت يحيى بن معين يقول : (( كتبت بيدي ألف ألف حديث )) يعني بذلك الطرق ، وقال عنه ابن المدينيّ رحمه الله تعالى : (( ما رأيت مثله ، وما نعلم أحدًا من لدن آدم كتب من  الحديث ما كتب يحيى بن معين )) .

وهكذا قرينه وصاحبه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، والذي سئل عن ستين ألف قضية فأجاب بحدثنا . 
 

         وكانت حياته كلها علمًا وعملًا وجهادًا .

ومن هؤلاء الجهابذة الإمام ابن جرير الطبريّ رحمه الله تعالى ، وأخباره عجب في الحفاظ على الوقت .

قال ابن جرير الطبريّ لأصحابه  : (( أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ قال ثلاثون ألفَ ورقة ، فقالوا : هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه ! فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة ، وأملاه في سبع سنين ، من سنة ثلاث وثمـانين ومائتين إلى سنة تسعين مائتين .

ثم قال لهم : أتنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ قالوا كم قدره ؟ فذكر نحواً مما ذكر في التفسير ، فأجابوه بمثل ذلك ! فقال : إنّا لله ! ماتت الهمم ! فاختصره في نحوٍ مما اختصر التفسير .

قال الخطيب : وسمعت السِّمْسِمي يحكي أن ابن جرير مكث أربعين سنة ، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة .

وحدّث تلميذه أبو محمد عبدالله بن أحمد بن جعفر الفَرْغانيّ ، في كتابه المعروف بكتاب (( الصلة )) وهو كتاب وصل به (( تاريخ ابن جرير ))  : ((  أن قومًا من تلاميذ ابن جرير حصلوا أيام حياته –  أي جمعوها - منذ بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ستٍ وثمانين سنة ، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته ، فصار منها على كل يوم أربع عشرة ورقة ، وهذا شيء لا يتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق )) .. انتهى .

 (( تبارك الله ماذا تبلغ الهمم )) .

ومن هؤلاء (( سُلَيم بن أيوب الرازي )) المتوفى سنة 447هـ قال عنه ابن عساكر : كان يحاسب نفسه في الأنفاس لا يدع وقتًا يمضي بغير فائدة : إما ينسخ ، أو يدرس ، أو يقرأ ، وحُدِّثت عنه أنه كان يحرك شفتيه إلى أن يَقُطّ القلم .

وهذا ابن الطَّلاَّية : أبو العباس أحمد بن أبي غالب ، قال السمعاني عنه : شيخ كبير أفنى عمره في العبادة والقيام والصيام لعله ما صرف ساعة من عمره إلا في عبادة ، وانحنى حتى لا يتبين قيامه من ركوعه إلا بيسير .

 وببركة طاعتهم لربهم رزقهم الله جَلَدًا وصبرًا ، واستلذاذًا للطاعة يبعث على الانبهار .

بل إننا نعد بعض أخبارهم ضربًا من الخيال ، وما ذلك إلا لأنهم اقتربوا من ربهم وبعدنا ، واستعلوا على الدنيا فعزوا ، وأخلدنا إليها فهُـنـا .

وأجتزئ لك طرفًا يسيرًا من أخبارهم .

فمن هذا الرعيل :

          1) بشر بن الحسن رحمه الله تعالى ، كان يقال له (( الصفّـيّ )) لأنه لزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة .

          2) وهذا إبراهيم بن ميمون المروزيّ قال عنه يحيى بن معين : (( كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردها )) .

          3) وسئل الإمام (( كثير بن عبيد الحمصيّ )) عن سبب عدم سهوه في الصلاة طول ستين سنة قضاها إمامًا لأهل حمص ، فقال (( ما دخلت من باب المسجد قط ، وفي نفسي غير الله )) .

          4) وكان الإمام (( منصور بن المعتمر )) يُسمَّى الأُسطوانة لطول قيامه .

          5) وعاش الإمام سليمان بن حمزة قرابة 90 عامًا يقول عن نفسه متحسرًا  (( لم أصل الفريضة قط منفردًا إلا مرتين ، وكأني لم أصلهمـا قط ))  .

أيها الإخوة الأحبة : هل سمعتم بانتصار أعظم من هذا الانتصار !!!

وكمـا ضُرِب المثل بسلفنا الصالح ، وعلمائنا الأوائل في الحفاظ على الوقت ، كانوا مضرب المثل في تنظيم أوقاتهم ، وتوزيع واجباتهم على هذه الأوقات .

فلم يكونوا يغلّبون جانبًا على جانب ، فللتحصيل العلمي والتصنيف وقته , وللعبادة وقتها ، وللدروس وإفتاء الناس أوقاتها ، ولحقوق الأهل والأقارب أوقاتها .

وسأضرب بعض الأمثلة من حياتهم رحمهم الله تعالى .

وأبدأ بالإمام حماد بن سلمة ، فلقد كان عجبًا في تنظيمه لوقته .

قال موسى بن إسماعيل التَّـبُوذَكِيّ : (( لو قلت لكم : إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا لصدقت ، كان مشغولًا : إما أن يحدث ، أو يقرأ ، أو يسبِّح ، أو يصلي ، وقد قسم النهار على ذلك )) .

قال يونس المؤدب : مات حماد بن سلمة وهو في الصلاة رحمة الله تعالى عليه .

وقال أحمد بن عبدالله العجليّ : كان حماد بن سلمه لا يحدث حتى يقرأ مائة آية ، نظرًا في المصحف .

ومثله الإمام الشافعيّ ، قال عنه الربيع بن سليمان : (( كان الشافعيّ قد جَزَّء الليل : فثلثه الأول يكتب  والثاني يصلي ، والثالث ينام )) .

وقريب منه أبو النصر الطوسـيّ : محمد بن محمد بن يوسف الشافعيّ رحمه الله تعالى .

حدث عنه الإمام الحاكم فقال : رحلت إلى طوس مرتين ، وسألته : متى تتفرغ للتصنيف مع هذه الفتاوى الكثيرة ؟فقال : (( جزأت الليل أثلاثًا : فثلث أصنف ، وثلث أنام وثلثه أقرأ القرآن )) .

و نحوًا  من هذا  كان يفعل الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه .

وأكتفي بإيراد خبر واحد فقط عن الإمام بقيّ بن مخلد رحمه الله تعالى .

فقد نقل الحافظ الذهبيّ في السير ( 296/13) خبر حفاظه على وقته برواية حفيده عبدالرحمن بن أحمد حيث قال : (( كان جدي قد قسم أيامه على أعمال البر : فكان إذا صلى الصبح قرأ حزبه من القرآن في المصحف ، سدس القرآن ، وكان أيضًا يختم القرآن في الصلاة في كل يوم وليلة ، ويخرج كل ليلة في الثلث الأخير إلى مسجده ، فيختم قرب انصداع الفجر ، وكان يصلي بعد حزبه من المصحف صلاة طويلة جدًا ، ثم ينقلب إلى داره ، وقد اجتمع في مسجده الطلبة ، فيجدد الوضوء ، ويخرج إليهم ، فإذا انقضت الدروس صار إلى صومعة المسجد ، فيصلي إلى الظهر ، ثم يكون هو المبتدئ بالأذان ، ثم يهبط ثم يُسْمِع إلى العصر ، ويصلي ويُسْمِع ، وربما خرج في بقية النهار ، فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر ، فإذا غربت الشمس أتى مسجده ، ثم يصلي ، ويرجع إلى بيته فيفطر ، وكان يسرد الصوم إلا يوم الجمعة ، ويخرج إلى المسجد ، فيخرج إليه جيرانه  فيتكلم معهم في دينهم وديناهم ، ثم يصلي العشاء ، ويدخل بيته ، فيحدث أهله  ثم ينام نومة قد أخذتها نفسه  ثم يقوم ، هذا دأبه إلى أنه توفي ، وكان جلدًا ، قويًا على المشي ، قد مشى مع ضعيف في مظلمة إلى إشبيلية  ومشى مع آخر إلى البيرة ، ومع امرأة ضعيفة إلى جَيَّان )) .

توفي سنة ست وسبعين ومائتين .

ومثل هؤلاء في الحفاظ على الأوقات في العلم والعمل : ابن تيمية ،  وابن حجر ،  وأئمة لا يحصون .

وبسبب حفاظهم على أوقاتهم ، وتنظيمها ، وتوزيع الواجبات عليها بارك الله لهم في هذه الأوقات فأخرجوا لنا مئات المصنفات ، وتأمل معي هذا المصنفات التي نعمنا بها ، وننعم اليوم .

وممن ضرب بكثرة تصنيفهم المثل :

          1) ابن جرير .

          2)  ابن شاهين .

          3) ابن الجوزي .

          4) ابن عقيل  الحنبلي .

          5) ابن عساكر .

          6) ابن تيمية .

          7) النوويّ .

          8) السيوطيّ ، وخلق لا يحصون كثرة ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله ، وعلى آله وصحبه .

 

 

 

 

Web Traffic Statistics