.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

 

الحمدلله الذي من علينا بمواسم الخيرات والقربات والنفحات ، وصلى الله وسلم على من ختم به النبوات ، سيد الأولين والآخرين ، وعلى آله وصحبه أولي الفضائل والمكرمات ، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم واستن بسنتهم إلى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات .

وبعد : فهذه لافتات على طريق الذين يستقبلون هذه الأيام أفضل زائر ، إنه شهر الخيرات والبركات والنفحات والقربات والطاعات .

اللافتة الأولى :

لا يكن استقبالنا لهذا الزائر العظيم والضيف الكريم بالاستعداد بأنواع الشراب والطعام والسهر في الجلسات الفارغة بالليل ، والنوم بالنهار .

وليكن استقبالنا له بالفرحة بقدومه ، وحمد الله على بلوغه ، وبالسباق في مضمـار الطاعات من صيام وقيام وتلاوة لكلام الملك العلام ، وغير ذلك من الطاعات المفروضة والمسنونـة والمستحبة .

إن كثيرًا من أبناء المسلمين اليوم يجعلون من أيام هذا الشهر المبارك فرصة للنوم الطويل عن الفرائض والنوافل ، ومن لـيـاليه استغراقًا في أنواع المآكل والمشارب وسائر اللذات ، تراهم عكوفاً على أجهزة اللهو ، أو تبصرهم يتسكعون في الأسواق ، مع اقتراف المعاصي القولية ، والفعلية وأحسنهم حالاً من إذا صلى الصبح ، رمى نفسه على الفراش إلى أن يصلي الظهر ، ثم يرجع ليواصل نومه إلى صلاة العصر ، وربما واصل بعد صلاة العصر إلى الإفطار ، وينتهي يومه ، وهو لم يقرأ شيئًا من كتاب ربه .

وهناك من هم أسوء حالاً وهم الذين لا يصلون ولا يقرؤون القرآن ، ولا يفعلون الخير ، عياذا بالله تعالى .

اللافتة الثانية :

استقبال رمضان يجب أن يكون بالتوبة النصوح بشروطها الـمـعروفة ، ثم بالمسارعة إلى الأعمـال الصالـحـة ، وما أكثرها .

ولعلي أذكر في هذه العجالة بعض الأعمـال التي يزخر بها هذا الموسم الجليل ، وهي ميدان سباق لمن وفقهم الله إلى اهتبال مواسم الخير واستغلال لياليها وأيامها .

 من هذا الأعمال الصالحة :

          1) الحرص على أداء الصلوات في أوقاتها جماعة ، والمرأة كذلك يجب عليها أن تهتم  بأداء هذه الصلوات في أوقاتها .

          2) الحرص على أداء الفرائض الأخرى كأداء الزكاة على كل صاحب مال إذا حال عليه الحول ، فإن اعتاد على إخراجه في رمضان ، فعليه أن يبادر إلى إخراجه في أوله ، ليكون عونًا للفقراء على أداء الصيام والقيام  وإن كان حولان الحول على المال بعد رمضان فينبغي على صاحبه أن يقدم إخراج زكاته في هذا الشهر الكريم ليجمع بين فضيلة الزمان وسد حاجة أهل الفاقة والحرمان .

 ووالله ولو أخرج تجار المسلمين زكاتهم بأمانة وصدق ؛ لسدت حاجة فقراء المسلمين على وجه الأرض كلهم ، فاللهم أعط كل منفق خلفًا ، وأعط كل ممسك تلفًا .

          3) المداومة على تلاوة كتاب الله تعالى ، فمـا تقرب المسلم بشيء إلى خالقه بمثل ما خرج منه ، وهو كلامه المنـزل .

قال عدد من السلف : ما تقرب المسلم إلى ربه بأفضل مما خرج منه ، وهو كلامه جل وعلا .

وجاء في كتاب (( مناقب الإمام أحمد )) لابن الجوزيّ : ص (527) بإسناده إلى عبدالله بن الإمام قال : (( سمعت أبي يقول : رأيت رب العزة عز وجل في المنام ، فقلت يارب : ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟ فقال : كلامي يا أحمد ، قال : قلت : يا رب بفهم أو بغير فهم ؟ قال : بفهم ، وبغير فهم )) .

 وهذا يدل على أن قارئ القرآن يؤجر على حمل المصحف ، وتقليب أوراقه ، والنظر فيه ، وتحريك لسانه وهو يتلو آياته ، وقد تظافرت النصوص على ذلك ، فالحمد لله على عظيم فضله .

فاحرص على تلاوة آيات هذا الكتاب العزيز ، تلاوة مجودة مع التدبر والنظر في معاني الآيات ، مستعينًا بتفسير مختصر يجـلّـي لك ما أشكل عليك ، كتفسيـر الجلالين ، المعلق على ما فيه من شطحات التأويل وتفسيـر العلامة السعديّ ، ولعل كتاب (( نزهة القلوب في تـفسيـر غريب القرآن العزيز )) للإمام السجستانـيّ يفيد في هذا الباب .

ولقد ختم الإمام الكبير أبو بكر بن عياش القرآن في حياته (( 18000)) ثمـانية عشرة ألف ختمة ، ومكث نحو 40 سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة .

ولو افتراضنا أن مسلمًا عُمِّر 70 سنة ، وختم كل شهر ختمة لما زادت عدد ختمـاته على ألف ختمة .

فانظر إلى همة أولئك رحمهم الله تعالى ، نسأل الله أن يرحم ضعفنا ، ويقوي عزائمنا ، ويحسن عاقبتنا في الأمور كلها .

          4) المحافظة على أنواع الذكر من تسبيح وتحميد وتهليل واستغفار قدر الإمكان ، مع التقـيّـد بالذكر المقيد كأذكار الصباح والمساء والنوم والاستيقاظ منه ، وعند دخول المسجد والخروج منه ، وعند دخول المنزل والخروج منه ، وعند دخول بيت الخلاء  والخروج منه ، وغير ذلك مما يعرف بعمل اليوم والليلة مدى الحياة .

          5) مجاهدة النفس على الإنفاق التطوعيّ للقادر عليه ؛ لان الله جـعـله قـرين قـيام الليل ، والأصل فيهمـا الإسرار بهمـا { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } الآية (16) من سورة السجدة .
ولله در القائل :

واعلم أن الإنفاق التطوعيّ ، واصطناع المعروف بتعاهد ذوي الحاجات وقضاء حوائجهم ، وتفريج كرباتهم من أعظم القرب إلى الله تعالى ، ولا سيما في هذا الشهر الذي تُضاعف فيه الحسنات وتكفر السيئات .

          6) العمل على إزالة أسباب القطيعة ؛ ليحل مكانها العفو والتسامح ،  فإن الله لا يقبل من المتشاحنين حتى يصطلحا ، وأن ترد المظالم إلى أهلها من مال أو عرض .

          7) أداء العمرة في رمضان - حسب الإمكان- لما ثبت في فضلها ، وأنها تعدل حجة معه صلى الله عليه وسلم.

اللافتة الثالثة :

هناك صيام يعرف بصيام الجوارح ، المتمثل في أفعال التروك ، ف حفظ سمعك وبصرك عن كل ما حرم الله عليك ، و حفظ لسانك عن الغيبة والنميمة والكذب وفحش القول ، وكل باطل ، و حفظ جوارحك الأخرى فلا تمش إلى باطل ، ولا توظف يديك في غير ما يرضي ربك ، في رمضان وغير رمضان ، ولكن ذلك في رمضان آكد .

 وليس في الإمكان أن أحشد النصوص وأقوم بتوثيقها في هذه العجالة ، فإن ذلك يطول ، وقد أُفْرِدت فيها المؤلفات ، وما ذكرته لمحات عجلى أردت بها تذكير نفسي وإخواني .

اللافتة الرابعة :

تَذكَّرْ أخي المسلم : إذا كنت صحيح البدن ، آمنًا في سِرْبك ، عندك قوت يومك وليلتك أن هناك أقوامًا لا يستطيعون الصيام بسبب الأمراض المزمنة ، وأن هناك صُوّامًا لا يجدون إفطارًا ولا سحورًا ، وما أكثر من يموت من الجوع في عالمنا الإسلاميّ اليوم ، في حين أن المترفين يجلسون على موائد تزخر بكل ما لذ وطاب وبأنواع لا يستطيعون أن يتناولوا منها إلا القليل ، ثم يُرم  كل ذلك في حاويات القمـامة التي عافت القطط من كثرة ما يُرم  فيها من الأطعمة .

ولقد حدثني أحد أئمة المساجد أن جارًا له من أكبر الأثرياء دعاه مع لفيف من الجيران للإفطار عنده في رمضان قبل سنوات ، وبينما هم ينتـظرون أذان المغرب ، إذ فوجئوا بسمـاع صوت من فوق رؤوسهم  ونظروا فإذا مائدة تتدلى عليهم حتى وضعت بين أيديهم ، وعليها من أطايب الطعام مالا يخطر بالبال .

إن هؤلاء المترفين المنغمسين في اللذات مع اقتراف السيئات إذا ماتوا على ذلك هم أشد الناس إحساسًا بعذاب الله تعالى في الآخرة ، كما قال الله عز وجل في سورة الواقعة بعد أن ذكر أصحاب الشمال {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} الآية (45) .

وجاء في صحيح مسلم برقم (7266) من حديث أنس بن مالك رضي الله  عنه قـال: قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( يُـؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَـيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَارَبِّ . وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُـؤْسـًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ ، فَيُقَالَ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُـؤْسـًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَارَبِّ . مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطٌ ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ  )) .

          نعوذ بالله من أسباب سخطه وعذابه .

وتذكَّر أخي المسلم وأنت آمن في بيتك بين أهلك وأولادك أن هناك من المسلمين من يُمطرون بالقذائف وهم يفطرون أو يتسحرون ، أو حين يمسون ويصبحون .

وما حال المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان عنا ببعيد ، وتذكَّر حين تخرج من بيتك وتعود إليه وأنت في أمن  ودَعَة أن هناك في  بعض بلدان العالم الإسلاميّ من يخرج من بيته فلا يعود إليه ، ويفجع أهله بمقتله ، أو خطفه إلى مكان مجهول ، وتمضي الشهور والسنين ولا يدري هؤلاء الأهل هل هو من الأحياء ، أو الأموات ؟

تذكَّرْ أخي الحبيب نعم الله التي لا تحصى عليك ، وتذكَّرْ أحوال المسلمين المؤلمة ، واحـمد الله على ذلك ، وادع لإخوانك الذين صُبّ عليهم البلاء في عالمنا الإسلاميّ في هذا الشهر الحافل بأوقات الإجابة ، وأَلِحّ على الله في الدعاء أن يرفع عنهم البلاء ، وأن ينصرهم على من ظلمهم واستباح ديارهم ، وادع لكل مبتلى من المرضى والجوعى والخائفين أن يشفي الله مرضاهم ، ويطعم جائعهم ، ويكسو عاريهم ، ويؤمّن خائفهم  ويعافي مبتلاهم .

وأَلِحَ في الدعاء كذلك أن يصلح المولى تعالى أحوال المسلمين رعاة ورعية ، وأن يردهم إلى دينهم  ويبصرهم بعيوبهم ويجمع كلمتهم .

أسأل الله تعالى أن يصلح أحوال الأمة رعاة ورعية ، وأن ينصر المجاهدين المرابطين على ثرى فلسطين

 وأن يحرر المسجد الأقصى من رجس اليهود ، وأن يرفع الحصار الظالم عن المسلمين عامة ، وعن إخواننا في غزة خاصة .

اللهم عليك بأمريكا وربـيـبـتها إسرائيل ، وبدولة الروافض المتآمرين ، اللهم قوض ممالكهم ، وانصر المسلمين عليهم ، وصلى الله وسلم على خير خلقه ، وعلى آله وصحبه ، والحمد لله رب العالمين .

 

 

 

 

 

Web Traffic Statistics