.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

 

الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وصلّى الله وسلّم على الهادي البشير ، والسراج المنير نبيّنا وقدوتنا وحبيبنا وإمامنا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه واستن بسنته إلى يوم الدين .

          وبعد : فإن التواضع واسطة عقد الأخلاق ، وعنوان الشرف الوافي ، وهو الخلق الذي يمدح الناس به صاحبه ولايحسده أحد عليه ، بل ليس هناك خلق تجلّى في سيرة سيد المتواضعين وسيد الخلق أجمعين ، صلوات الله وسلامه عليه ؛ كما تجلّى خلق التـواضــع وإنك لتجد هذا الخلق سجيّة في شخصه الكريم ، في سائر أحواله ، في بيته ، وبين أصحابه في سفره وإقامته ، في لباسه ومركبه ، ومأكله ومشربه ، ويقظته ومنامه ، وفي سائر حياته يسلّم على الغلمان ويداعبهم ، ويذهب مع الفقير والجارية وسائر أصحاب الحاجات ليقضي لهم حاجاتهم ، وكان يخيط ثوبه ، ويخصف نعله ، وكان لايشرب حتى يفرغ أصحابه فيشرب فضلتهم ، وكان ينام على الحصير فيؤثر في جنبه ، إلى غير ذلك من صفات التواضع التي وردت في مئات الأحاديث الصحاح ، وزخرت بها كتب السيرة الموثَّـقـة .

          فلا غرو أن تجد أهل العلم يقتدون بنبيّهم عليه الصلاة والسلام في شمائله وأخلاقه ومن ذلك خلق التواضع .

          ومع هذا الأمر المسلم به ، ظهرت نابتة من صغار الطلاب ، تعاملوا مع الكتب ولم يثافنوا (1) العلماء ليتأدبوا بأدبـهم ، ويتعلموا من سمتهم (2) وهديهم ، فظهرت لديهم ظواهر لا تليق بطلاب العلم ، كالتعالم ، والتعالي وعدم الاعتراف بالخطأ ، والرغبة الجامحة في تتبع أخطاء أهل العلم ، والفرح بالرد عليها ، وإفرادها في كتب مستـقلة ، وتسمع في كلامهم ، وتقرأ في كتاباتهم ما يترجم عن حقيقة هذا المسلك عندهم ، كأن تسمع من يقول منهم : هذا منهجنا الذي نسير عليه من زمن بعيد ، ومن يعرفنا يدرك ذلك في دروسنا ، ومؤلفاتنا .

 ويقول آخر : حققنا هذه المسألة في كتابنا الفلانيّ بما لا مزيد عليه .

وتجد آخر يقول : وانظر لزاماً ما كتبناه في هذه المسألة في كتابنا الفلاني .

وتجد من يقول : نحن من أعرف الناس بهذا العلم ، وتصانيفنا تشهد بذلك .

 ومن ذلك الإسراف  في تكرار كلمة (( قلت )) على سبيل الاعتداد ، وهي كلمة لا تجدها في تصانيف كثير من الحفاظ الأعلام .

وإنك لتسمع مثل هذا الكلام من صـغار بعض الطلاب الذين لم يخطّ الشيب مفارقهم والله المستعان .

أسوق هذه المقدمة الموجزة لأذكر نماذج مشرقة من تواضع العلماء العاملين ، ولن أعود إلى سير السلف فإن سيرهم قائمة على أحسن الأخلاق عامة ، والتواضع خاصة ، ولكنني سأذكر نمـاذج من تواضع علماء معاصرين رأينا جُـلَّـهم ، وجلسنا مع بعضهم واستمعنا لأكثرهم ، وقرأنا لهم .

وسأكتفي بذكر نماذج عن أربعة من كبار علمائنا : ثلاثة من علماء هذه البلاد ، والرابع من علماء شنقيط بموريتانيا.

          وليس لاختيار هؤلاء الأربعة دافع معيّن ، فكل مشايخنا الكبار في المملكة ، على قدر من التواضع معروف عند الناس ، سواء الأحياء منهم ، أومن قد سبقوهم إلى الدار الآخرة ، رحم الله الجميع ، وعلى رأس من عرفتهم شيخهم جميعاً العلامة الإمام : عبدالعزيز ابن باز رحمه الله تعالى ، وقد كان مفتياً عاماً للمملكة .

          وإنما سبب اقتصاري على ذكر هؤلاء الأربعة : هو أنني تمكنت من الحصول على  أمثلة معيّـنة ، استطعت أن أستشهد بها على تواضعهم .

وحتى لايتساءل أحد عن سبب تقديم بعضهم على بعض في الذكر ، رأيت أن أحتكم إلى ترتيبهم بالنسبة إلى سنيّ مواليدهم ، وهؤلاء الأربعة - حسب سنيّ مواليدهم - هم : العلاّمـة الشيخ : عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل المولود سنة 1335 هـ ، والعلاّمة الشيخ : حافظ بن أحمد الحكميّ  ، المولود سنة 1342 هـ ، والمتوفى رحمه الله تعالى سنة 1377 هـ ، والعلاّمة الشيخ : محمد سالم بن محمد علي بن عبدالودود الهاشميّ الشنقيطيّ الشهير بـ (( عَدُّود )) المولود سنة 1348هـ ، كما سمعت ذلك منه ، والعلاّمة الشيخ : عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين ، المولود سنة 1352هـ كما هو مثبت في موقعه على شبكة المعلومات .

أسأل الله تعالى أن يمن على الشيخين محمد سالم وعبدالله الجبرين بالشفاء العاجل ، وأن يلبسهما ثوب العافية  ويعيدهما إلى حلق العلم وإفادة الطالبين .

          وأبدأ بالشيخ العلاّمة المعمّر المسند : عبدالله بن عقيل ، ولست الآن في معرِض الترجمة له ، وإنما سأذكر شيئاً يسيراً مما يتعلق بتواضعه ، وقد أكرمني الله تعالى بحضور مجالس عدة ، في بيته العامر بالعلم وإفادة الطالبين ، فرأيت من تواضعه أمراً عجباً ، فهو لا يستنكف أن يسأل بعض طلابه عن شيء سمعه منهم : ما معنى كذا ؟ وإن سمع من أحد فائدة سارع إلى تدوينها في دفتره الخاص الذي يدون فيه مايقرأ أو يسمع من الفوائد والأغرب من هذا كله أنني استشهدت مرة ببيت للعلويّ الشنقيطيّ سمعته من شيخي محمد سالم بن عَدُّود ، يتعلق بالإدماج أو التداخل ، ونصه :

والبيت نفسه مثال للتداخل والإدماج ، فلما سـمع الشيخ البيت أخـرج دفتر فوائده وطلب مني إملاءه عليه .

          وإلى هنا يعتبر الأمر معتاداً ولا يُستغرب ، فقد أسمع من شاب صغير بل حتى من بعض أولادي فائدة تعجبني فأكتبها ، لكن العجيب والغريب حقّـاً أنه قال لي بعد أن كتب البيت الآنف الذكر : (( منكم نستفيد )) .

          تعجبت من هذه الكلمة كيف يقولـهـا لي ، ولم يمض على ارتيادي مجالسه وقت طويل ، ثم من أنا حتى يخاطبني بهذا الخطاب ، ولقد سمعت من ثنائه على بعض صغار طلابه وتشجيعه لهم الشيء الذي لم أسمعه من غيره من العلماء ، وهذا إنصاف منقطع النظير .

          بل سمعت منه في لقاء معه بـ (( قناة المجد الفضائية )) مفاده : أن بعض المشايخ المشهورين تتلمذوا عليه ، وهم ليسوا في حاجة إليه ، وهذا من فرط تواضعه ، وإلا فالذين تـتلمذوا عليه كلهم بحاجـة إلى علمه ، ودرايتـه في فـقـه المذهب الحنبلي .

          وقصارى القول : فإن الشيخ عبدالله العقيل مدرسة في التواضع ، وجدير بطلاب العلم أن يتعلموا منه هذا الخلق النبيل ، وغيره من الخلال .

وقد ورث صفة التواضع وغيرها من الخلال عن شيخه العلاّمة السعديِّ رحمه الله تعالى وزاد عليها .

أسأل الله تعالى أن يبارك في عمر الشيخ ويضاعف النفع به .

          الشيخ الثاني : شيخ مشايخنا العلاّمة الشيخ : حافظ بن أحمد الحكميّ ، الذي أكرمه الله تعالى برعاية شيخه الداعية الجليل المسدّد : الشيخ عبدالله القرعاويّ عليهمـا الرحـمة والرضوان ، فكان نبوغ الشيخ حافـظ بسبب عناية شيخه به ، فقد وجهه إلى طلب العلم وفرّغه لتحصيله ، حين رأى فيه النجابة وقوة الحفظ ، فحصّل علماً كثيراً في فترة وجيزة ، وألزمـه شيخه بالتصنيف حين آنس منه القدرة على ذلك .

والذي يتتبع تصانيفه ، والمتون التي نظمها يجد صفة التواضع جلية عنده ، بل يدرك معها صدق الإشفاق على نفسه من تبعة التصنيف .

          وفي أول متن نظمه ، وهو (( سلم الوصول )) في علم التوحيد - وكان قيامه بنظمه استجابة لأمر شيخه القرعاويّ بذلك - قال :

وقال في آخر (( متن لامية المنسوخ )) :

وقال في خاتمتها :

          وقال رحمه الله في خـتام مقدمة ((دليل أرباب الفلاح لتحقيق فنّ الاصطلاح )) : ص (39) : (( وإن كنت لقصر باعـي ، وقلة اطلاعي ، لست من فرسان هذا الشان ولاممن يجول في هذا الميدان ، ممن خاضوا غمـاره ، وجـمـعوا صغاره وكباره ، ولكنني أحببت أن أقدح معهم بزَند (6) ، وأرمي بسهم ، وأستضيء بنور ما اقتبسوا ، وأقتطف من ثمار ما غرسوا ... )) إلى آخر ما قاله .

وأختم هذه ا النماذج بهذه القصة الدالة على تواضع الشيخ ، وصدق إخلاصه كما نحسب ونظن به ، رحمه الله تعالى .

          وخلاصة هذه القصة أن أحد الطلاب المغتربين مدحه بقصيدة ، فردّ عليه الشيخ على الفور خلف الورقة بأبيات لم يطلع عليها أحد إلا بعد وفاته ، حيث حدث بها هذا الطالب الناس مراراً ، وبلغني أن هذا الرجل يعيش الآن في مدينة النماص القريبة من مدينة أبها ، وفقنا الله وإياه .

وإليك الأبيات التي رد بها الشيخ على هذا الطالب آن ذاك على الفور :

هذه نماذج يسيرة من النماذج الكثيرة الدالة على خلق التواضع عند الشيخ ، ولاريب أنه تلَقَّى هذا عن شيخه المربي الكبير الداعية : عبدالله القرعاويّ رحم الله الجميع .

* لعلك تتشوق - أخي القارئ الكريم - إلى تتمة هذا المقال ، فترقبها مطلع الشهر القادم بمشيئة الله تعالى .

ـــــــــــــــ

(1) لم يثافنوا : أي لم يجالسوا ويلزموا أهل العلم .

راجع ((معجم مقاييس اللغة )): ص (168 - ثفن ) و (( القاموس المحيط )) باب النون - فصل الثاء : ص (1184) .

(2) السمت : لفظ يطلق على معان عدة : كالقصد ، والطريقة الحسنة ، والهدْي ، ثم جرى إطلاقه عرفاً على هيئة أهل الخير والصلاح ، وهو المراد هنا .

(3) مزجي البضاعة : أي قليلها ، مأخوذ من قوله تعالى على لسان إخوة يوسف عليه السلام : (( وَجِـئْـنَا بِـبِـضَاعَـةٍ مُّـزْجَاةٍ ...)) الآية (88) من سورة يوسف .

وراجع (( عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ )) للسمين الحلبيّ (154/2 - زج ي ) .

(4) رفواً : مصدر رفوت ، من قولهم : رفوت الثوب ، أو رفا فلان الثوب : أصلحه وضم بعضه إلى بعض يُـهـمَـز  ولا يُـهْمَـز .

راجع (( تاج العروس من جواهر القاموس )) للزبيديّ (469/19 - رفوا ) .

(5) خَـوَل : هم حشم الرجل وأتباعه ، واحدهم خائل ، ويقع على العبد والأمة ، وهو مأخوذ من التخويل : وهو التمليك وقيل الرعاية .

  وقد ورد في قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه (( إِخْـوَانُـكُـمْ خَـوَلُـكُـمْ ...)) وهو حديث متفق عليه ، أخرجه البخاريّ في ثلاثة مواضع من صحيحه : الأرقام (30) و (2545) و (6050) وأخرجه مسلم برقم (1661) كلاهما من طريق المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه .

(6) بزَند - بفتح الزاي وإسكان النون - يراد به هنا العود الذي يُقْدَح به النار ، وهو الأعلى ، و (( الزَّندَة )) السفلى ، وفيها ثقب ، ولم يعد هذا مستعملاً في زماننا ، فيما أعلم .

راجع شرح ذلك في (( مختار الصحاح )) : ص (276 - زن د ) .

(7) تلفيه : تجده ، كما في  المصدر السابق : ص (601 - ل ف ا ) .

 

 

 

 

Web Traffic Statistics