.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلو عباده المكلَّفين أيهم أحسن عملاً ، والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله ،وعلى آله وصحبه والتابعين لهم ما تعاقب الليل والنهار ،واختلف الجديدان .

وبعد :  فبين غمضة العين وانتباهتها  فقدتُ من كان لي بمثابة الدِّرع الواقي ، والأمنة من العوائـق ومصاعب الحياة ، فقدت من كان كالضياء لناظِرَيّ ، والغذاء لجوانحي ، فقدت من كانت إطلالته بابتسامته الآسرة كالبلسم الذي يضمِّد جراح الهموم وأعباء السنين فقدتُ الرِّدْء الذي يأخذ بيدي في مضائق الحياة ومسالكها المظلمة ، فقدتُ ابني البار عبدالمجيد ، أغفو على لذعة  فراقه ، وأستيقظ على وقع الفجيعة به ، ولكن لا أقول إلا ما يرضي ربي ، فالحمد لله على قضائه وقدره ، رضيت بذلك وسَلَّمت ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

إن الذين سيقرأون هذا المقال أو بعضهم سيقولون : إن حديثك عن ابنك هو من وحي العاطفة الأبوية  ومن باب ذكر محاسن الميّت ، وأيّ فقيد لا بد من إضفاء المبالغة على محاسنه ، وهذا صحيح في كثير من الأحيان ، ولكنني - واللهُ على ما أقول شهيد ، وهو يعلم السرائر - لن أبالغ في ذكر مآثر ابني ، وما سأقوله عنه هو بعض ما أعرفه من سيرته وأخباره ، ومن كان عنده شكّ فيما أقول فليسأل رفيق دربه وخليله الوفيّ الابن البار المثال أبا يحيى : زكريّا بن يحيى العريشيّ ، زاده الله توفيقـًا وسدادًا ، فهو أعرف به مني .

وحتى يطمئن القارئ أقول : إن ابني عبدالمجيد لم يُـعرف بكثرة العبادة ، وإنمـا كان يقيم الفرائض جمعة وجماعة ، ويحرص على الوتر قبل أن ينام ، وعلى الاعتمار ثلاث مرات في العام غالبـًا أو مرتين ، وورده من تلاوة القرآن محدود ، كذلك لـم يكن صاحب اهتمـام بطلب العلم الشرعيّ ، وأغلب اطلاعه مقصور على كتب الإدارة وتجارب رجال الأعمال لعلاقتها بطبيعة عمله ، ومع ذلك له اهتمـام بالقراءة عن الرافـضة ومـؤامراتهم ودخل في مناظرة مع أحد رافضة لبنان وأفحمه بالحجة العقلية ، عن طريق الشبكة العنكبوتية ، وله اهتمام كذلك بسماع أشرطة تلاوة المقرئين الكبار ، وسمـاع بعض الأشرطة في مجال التاريخ الإسلاميّ .

وكان حسن الصوت بالقرآن ، ويحفظ قدرًا كبيرًا منه ، ولَكَم عطَّر أرجاء منزلنا وشنَّف أسمـاعنا بأدائه الجميل عند دخوله أو خروجه في أحوال كثيرة .

هذه إشارة إلى شخص ابني عبدالمجيد رحمه الله تعالى ، فما الجوانب المهمة الجديرة بالحديث عنه ، والباعثة على رثائه بهذه المقالة ، والتي ربما يعترض من يعترض عليها بأن رثاءك لابنك لا يفيد القارئ ، وأقول : هي نفثة مصدور ، ولعل من الناشئة الصغار من يستفيد من بعض الوقائع في هذه المرثية إذا قرأها .

تميز ابني عبدالمجيد بصفات نادرة تثير العجب وتدعو إلى التأمل ، ولم يخطر ببالي أن أحدِّث بها أحدًا في حياته ، أمَـا وقد انتقل إلى أول منازل الآخرة ، فلعل في ذكرها ما ينفع ، ويستدرّ الترحُّم عليه .

أولـها : بره بأبيه وخدمته لأهله .

أما بِـرُّه بي فكان أمرًا عجيبـًا ، ونقيضـًا لما حصل منه في فترة مراهقته ، وذلك أنه بعد موت أمه رحمهمـا الله تعالى حصل له بعض الضياع ، وإنني لَأَشعر اليوم بالندم وتأنيب الضمير ؛ لأنني قسوت عليه في تلك الفترة قسوة شديدة بعثَتْ في نفسه ما يعرف عند التربويـين المعاصرين بـ (( رَدَّة الفعل )) ثم أكرمني الله بعودته واستقامته مع انتقالنا إلى منزلنا الذي نقيم فيه الآن ، وكان ذلك في صيف 1419 هـ ، ومتّعني الله ببـرّه في هذه الفترة التي تربو على (13) عامـًا ، بل صرت شديد الكَـلَـف به ؛ فلا أطيق غيابه عني يومـًا واحدًا ، ولقد كان يطل عليّ بابتسامته اللطيفة كل يوم ، ويقبّل يدي ويسألني بعبارته المعهودة (( تريد شي يابويه )) وكانت إطلالته تلك بمثابة البلسم الذي يخفف عني متاعب الحياة المختلفة ، وإذا سافر فإنه يتصل بي كل يوم مرتين غالبـًا  ولا يزيد سفره عن يومين أو ثلاثة إلا إذا سافر بأهله وأخواته ، وهذا في حكم النادر .

ومن مظاهر بِـرِّه بي أنه يطلب مني دائـمًا أن أخبره عن أيّ موعد يتطلب مني الذهاب إلى مكان بعيد ؛ ليقوم بقيادة السيارة عني ، ولم يجلس على فراشي ، ولم يستخدم دورة المياه التي أستخدمها قطّ ، وذات مرة أحضر لي سريرًا مريحـًا ووسادة ملائمة للرقبة ، وبعد بضعة أيام رآني في منامه أنني غير مرتاح للسرير ، فجاء إليّ وقال : رأيتك في المنام تشتكي عليّ من السرير ، ما المشكلة ؟ فقلت له إن الجانب الأيمن من السرير هابط أتعبني في نومي ، فقام بإصلاحه ، ومن آخر بره بي : أن مقبض باب المكتبة انخلع ، فناديته ليصلحه وكان ذلك قبل الكارثـة بثلاث ساعات تقريبـًا ، فقام بإصلاحه ، واستغرق منه ذلك نحو الساعة ، ثم ذهب إلى بيت عمه الشيخ صالح الحكميّ ، واصطحب زوجته وابنته إلى مسكنهم ، ووقعت الفاجعة برحيله رحـمة الله عليه  حيث احترق عليهم الـمسكن بسبب تسرب غاز تشبعت به غرفه ، ومسيرة بِـرِّه بي ماثلة أمام ناظِرَيّ أراها كأنها شريط لا تنتهي حلقاتـه ، فالحمد لله على قضائه وقدره ، وأسأله تعالى كمـا متَّـعني به في الدنيا أن يجمعني به وكل من نحبهم في جنات النعيم .

ولم يكن برّه مقصورًا على والده وأهله ، وإنما كان وصولاً للأرحام ، وكل من طلب منهم خدمة منه بادر لقضائها ؛ بطيب نفس وانشراح صدر ، ولم ينس أمه رحـمهمـا الله تعالى ، فقد ظل طول حياته يتصدق عنها ومرة قلت له من باب إشعاره بأهمية بره بأمه : تصدق عن أمك رحمها الله إذا حصلت على شيء من المال فأخبرني أنه ألزم نفسه بالصدقة عنها كل يوم ولو بريال فقط .

ثانيـًا : أنني تعلمتُ منه أمورًا مهمة رغم فارق السن الكبير بيني وبينه .

ومن الأمور التي تعلمتها منه :

          1) شدة صبره ، ورحابة صدره ، فما رأيت فيمن تعاملت معهم تعاملاً مستمرًّا أصبر منه ، كان صبورًا على اللَّأواء  والمشكلات ، وسوء أخلاق بعض من يتعامل معهم صبرًا عجيبـًا ، ومن ذلك أنه يذهب للمراجعة ببعض أهله صباحـًا ولا يعود إلا قريبـًا من المغرب ، وتراه بعد عودته طليق الوجه يفيض بالبشر كأنه عاد من نزهة ، وفي كثير من الأحيان تحتاج إليه إحدى أخواته الصغيرات في أمر يكون في بعض الأحيان تافهـًا  وتوقظه من نومه الذي خلد إليه بعد الإرهاق الشديد ، فينهض مثقلاً شديد الإعياء ، ويذهب بها دون تبرُّم ولا عتاب ، ولَـكَمْ وجد من العمال والزبائن - في المطعم الذي سماه (( مطعم مدماك )) وكان يديره - من الأذى الذي لا يُـحْتَمل فصبر الصبر الجميل ، ولم يتفوَّه بكلمة نابـيـة ، رغم أنه أحسن إلى الكثير منهم  وواساهم بمـا يستطيع من المال والكفالات وغيرها .

وإذا رآني قد ضقت ذرعـًا بمـا أراه من سلوك بعض الشباب في الشوارع والأماكن العامـة ، قـال لي : لا بــد يا أبي من الصبر ، وكان يوصيني بالصبر على أخيه أنس ، ويطالبني بكل أدب بالصبر عليه ، ومحاولة مداراته  ومراعاة سن المراهقة عنده ، ويحثّني على إشعاره بأنني حريص على مصلحته ، وتشجيعه مع وعده ببعض الأمور التي يطمح إليها ، كشراء سيارة مقابل أن يترك بعض السلوك الخاطئ .

ومع شدة صبره كان رحب الصدر لا يضيق بـنَـزَق الناس وطيشهم ، وله قدرة على امتصاص انفعالاتهم وتطيـيب خواطرهم ، وكم مرة رآني مغضبـًا لمشكلة من المشكلات بسبب التقدم في السن ، وكثرة الانشغال  فيقول لي بكل أدب وهدوء : دع هذه المشكلة لي يا أبي أنا أكفيك معالجتها ، وكم مرة يشعرني أن تصرف فلان من الناس تصرف جاهل علاجه الإعراض عنه .

          2) سلامة صدره ، فما أعلم لولدي عبدالمجيد خصومـًا وأعداء ، ولم أسمعه يتحامل على أحد ، أو يقع في عرضه ؛ إلا أن تكون شكوى من شخص يؤذيه ، وحتى الشكوى لا تصدر منه مصحوبة بالوقيعة فيه ، وإنمـا تصدر شكواه مقرونة بالدعاء له بالهداية ، وكان عفّ اللسان لا يتكلم فيما لا يعنيه ، طلق المحيا ، دائم البشر : لا تفارق الابتسامة الوادعة ثغره ، وكان شديد الوفاء لمحبيه ، خدومـًا لهم ، كريمـًا يجود لهم بمـا في يده من مال  إلى غير ذلك من الشمائل التي يشهد له بها كل من عرفه ، بَـرَّد الله مضجعه .

          3) بُعْدُ نظره واتزان العواطف عنده .

أما بُـعـدُ نـظره ، فكان أمرًا مـلحوظاً عنده ، ويشهد له بذلك زملاؤه الذين تربطهم به شراكة في العمل فكان لا يتخذ قرارًا في أمر مهم حتى يشاور فيه ، ويدرسه من جميع جوانبه ، ويستخير الله في الإقدام عليه  وربمـا سافر لأداء العمرة والخلوة ببيت الله بعض الوقت ليفكر ويلح على الله تعالى في الدعاء ، مع تكرار الاستخارة ، وبعد ذلك يتخذ القرار الذي يريده ، ولم يكن ينساق للعواطف ، ولا يستجيب للقرارات المرتجلة  بل كان التأني ديْدَنَه ، والتفكير الطويل مضماره ، والاستشارة أهم أدواته ، والاستخارة آخر ملجأ يلوذ به ، وكم من المرات يشاورني في أمر فأبادر إلى استحسانه ، فأظن أنه أخذ به ، وبعد حين أسأله فيقول لي : استخرت الله تعالى فيه مرارًا فلم ترتح نفسي للإقدام عليه ، أو يقول : ظهر لي فيه أمر يتطلب مني إعادة النظر فيه .

ومن الدلائل على بعد نظره أنه لا يتعجل في إصدار الأحكام على المواقف الصادرة من الدعاة والزعماء حتى يدرسها ويتـتبع مصادرها في الشبكة العنكبوتية ، ويتـثبت منها ، ويعرف دوافعها ، مع التماس العذر لمن كان خطؤه بـيِّـنـًا إلا إذا كان من أهل السوء فإنه لا يقيم له وزنـًا .

          4) اهتمامه بأمور المسلمين ، يتابع أخبارهم ، يفرح لفرحهم ويحزن لما يحصل لهم : في فلسطين ، والأحواز وكشمير ، وليبيا ، واليمن ، وسوريا ، وغيرها من بلاد المسلمين ، ويستاء كثيرًا من مؤامرات الرافضة وأطمـاعهم واعتداءات أمريكا على المسلمين في كل مكان ، واعتداءات اليهود على الأقصى وإخواننا في فلسطين وممارسات الحكام الظلمة في كل مكان ، وهو إلى جانب ذلك شديد التفاؤل بنصرة الإسلام وظهوره ، ومن الدلائل على ذلك أنني كنت  جالسـًا معه وقت الغداء في أول أيام حرب إسرائيل على غزة ، وبعض الفضائيات تعرض الضربة الأولى على إخواننا في القطاع ، ورأينا تناثر جثث رجال الأمن الفلسطينيّ ، وكان أحدهم رافعـًا إصبعه مردّدًا (( أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله )) فقلت في حالة من الذهول والانفعال : انتهت حماس والفصائل الجهادية ، فردّ عليّ قائلًا : بالعكس يا أبي ؛ والله إن الذين يسقطون في الميدان رافعين أصابعهم بالتشهد لا بد أن ينتصروا بإذن الله ، وعرفت فيما بعد صدق كلامه ، فرغم ما حصل من قتل وتدمير  خرج جيشهم يجرّ أذيال الهزيمة في حالة من الذعر والخيبة لا يعلم مداها إلا الله الجبار المنتقم ، ناصر المؤمنين  وقاهر الجبابرة المعتدين ، بل إنهم على مدى (22) يومـًا لا يخرجون من دبّاباتهم ومدرّعاتهم ، يتغوَّطون ويبولون في حفايظهم التي يلبسونها حتى تعفنوا ، ولقد استهلكوا أطنانًا من هذه الحفايظ لوثوّا بها التراب والهواء ، عليهم لعائن الله اليانعات .

          5)  اتصاف الابن عبدالمجيد رحمه الله تعالى بالحس الإيمـانيّ واصطناع المعروف .

كان الابن عبدالمجيد غفر الله له يتصف بالحس الإيمانيّ المرهف ، وشواهد ذلك كثيرة أكتفي بشاهد واحد على ذلك حتى لا أطيل على القارئ ، ولعل هذا من أبرز الشواهد على حِسّه الإيمـانيّ إلى جانب اصطناع المعروف الذي ضرب فيه أروع الأمثلة .

لاحظ رحمه الله تعالى قبل أربع سنوات أن بعض الناس يرمون المصاحف البالية والمقطعة في الحاويات مع الجرائد والمجلات الخليعة ، ذات الصور الفاضحة ، فهاله ما رأى ، فقام بتفتيش الحاويات الموزَّعة في حَـيِّـنَـا سلطانة ، والأحياء المحيطة به ، واستخرج منها أعدادًا كبيرة من المصاحف؛ أكثرها مصاحف كاملة ، وبعضها ممزقة ، ووجد معها بعض السراويل والملابس المختلفة إلى جانب المجلات الساقطة والجرائد ، كما تقدم آنفـًا  وجمعها في (( كراتين )) من أجل تسليمها إلى جهة خيرَّية ، وما زالت هذه الطرود موجودة في منزلنا وسنعمل على تعبئتها وتسليمها إن شاء الله إلى مركز العناية بالمصاحف المستعملة ، جزى الله القائمين عليه خير الجزاء .

فما الذي دفعه إلى هذا العمل الشاقّ أيامـًا طويلة ؛ إنه إحساسه بمنزلة هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

أما اصطناع المعروف فهو فيه أستاذ معلِّم قَلّ نظيره ، وأحسب أن الله تعالى وفقه فيه توفيقـًا كبيرًا ، وإن من دلائل هذا التوفيق إخفاءه لأكثر الأعمال التي يقوم بها ، كتعهد الأرامل والأيتام ، وجمع الصدقات اليسيرة لهم والاطلاع على منازلهم وأحوالهم ، ومحاولة ‘إصلاحها قدر مكنته وطاقته ، ولم أطلع على شيء من ذلك إلا في حالتين :

الحالة الأولى : حينما يريد مني أن أسهم بشيء يسير من المال في كشف كربة بعض هؤلاء ، ولم يكن عرضه عليّ في سياق الطلب المباشر مني ، وإنما يخبرني مجرد إخبار  أنه وجد أسرة شديدة الفقر ، ويحتاج أفرادها عاجلاً إلى مبلغ كذا ، فأقدم له ما يتيسر ، أسأل الله تعالى أن يتقبله .

ومما أذكره من توفيق الله له إلى معرفة  أحوال هؤلاء الفقراء أنه وقف ذات مرة عند إشارة ضوئية ، فرأى امرأة طاعنة في السن تعرض بعض قِنِّينات الماء على أصحاب السيارات لدى وقوفهم عند الإشارة ، فإذا اندفعت السيارات عادت إلى ظل سارية تحت الجسر لتجلس على قطعة (( كرتون )) فإذا توقف أصحاب السيارات عند الإشارة عادت مرة أخرى لتعرض مع الآخرين عليهم بيع الماء ، ويداها ترتعشان ، فاستدار بسيارته وأوقفها في مكان بجانب الإشارة ، ثم جاء إليها يسألها - وقد عرفت في وجهه صدق شفقته عليها - ما الذي أحوجك يا أُمِّي مع ضعفك وكبر سنك إلى بيع الماء في هذا المكان ؟!!

فأجابت : يا ولدي ، أنا أرملة ليس لي إلا بنت تزوجها شخص ، وأنجبت له عدة بنات ، ثم توفي عنها  وليس لنا عائل يعولنا فاضطررت إلى ما ترى ، فقال لها دليني يا أمي على المنزل من أجل أن أوصل لك ما تيسر من المساعدة ، فعرف منزلها ، وقد وصفه بأنه منزل في غاية الرداءة ، وتعاهدها بإيصال ما تيسر له من كسبه ، ومن المحسنين  ، وحتى الحيوانات والطيور كان يحسن إلى بعضها ، ومرة رأى قطة صغيرة لا تستطيع الحركة بسبب انكسار إحدى أرجلها ، فتعهدها بالإطعام والسُّقيا حتى شُفِيت ، وصار الباب مجمعًا للقطط  فكلما أقبل رحمه الله تعالى تراكضت إليه يتصايحن طلبـًا للطعام ، فأمرته بالتوقف عن ذلك بسبب أذاها لنا  فتبسم وصار يضع لها الطعام بعيدًا عن الباب ، وكان يضع الماء في علب ، ويعرضها في أماكن معينة لتشرب الطيور منها .

ومرّة رأى في المنام نملة تخاطبه ، فانزعج من هذه الرؤيا وأخبرني بها ، وقال لي : أخشى أن أكون قد قتلت مجموعة من النمل بالمبيد الحشريّ ، فسألت أحد المعبرين المشهورين عن هذه الرؤيا ، فقال لي : إن ابنك عبدالمجيد يتعاهد بعض الكائنات الحية بإطعامها  وسقيها ؟ فقلت : نعم ، إنه يحرص على ذلك كثيرًا .

ومن آخر قصص تعهده لأصحاب الفاقة والعَوَز أنه سمع بأُسرة مكونة من أرملة وبناتها وشابين مصابين بالتهاب الكبد الوبائيّ النشط ، ويسكنون في بيت متهالك لا يقيهم سقفه من مطر ، ولا حـرّ ، ولا برد ، فعرض عليّ قصتهم ، فقلت له ما الذي تطلبه مني ، فحدّد لي مبلغـًا يسيرًا أعطيته إياه ، ثم أضاف إليه ما تيسر منه ومن تبرع إخوانه ، فأصلح لهم سقف منزلهم ، وسدّد عنهم متطلبات الماء والكهرباء ، ودفع إلى أمهم ما تيسر من الـمـال ، وسعى لــعـلاج هـذين الشابين ، وبحث لـهمـا عن عمل يتمثل في حراسة عمـارتين سكنـيـتـيـن  لأن الدوائر الحكومية لا توظف أصحاب الأمراض الوبائية إلا بعد ثبوت شفائهم من هذه الأمراض ، وكانت أمهم مغتبطة بهذا الصنيع ، شديدة الفرح به ، واتصلت بعد موته تبكي وتدعو له ، وكم بكاه من الأرامل والشيوخ حين بلغهم نبأ موته ، نوّر الله عليه قبره ، وجزاه عنهم جزاء المحسنين .

الحالة الثانية التي عرفت من خلالها بعض أعماله المبرورة : كانت بعد موته رحمه الله تعالى وذلك من خلال اتصال بعض الأرامل ومجي عدد من الفقراء يبكون عليه بكاء مُـرًّا ،كما تقدم ، وحينمـا استعرضت بعض أوراقه وجدت عددًا من السندات الموقعة من الندوة العالمية للشباب الإسلاميّ ، تثبت كفالته لعدد من الأيتام .

وإن اصطناع المعروف وقضاء حوائج الملهوفين من أَجَلّ القرب إلى الله تعالى ، وحسبنا قول نبينا صلوات الله وسلامه عليه : (( مَـن نَـفَّـسَ عَـن مُـؤْمِـنٍ كُـرْبَـةً مِـن كُـرَبِ الدُّنْـيَـا نَـفَّـسَ اللَّهُ عَـنْـهُ كُـرْبَـةً مِن كُـرَبِ يَـوْمِ الْـقِـيَـامَـةِ ، وَمَن يَـسَّـرَ عَلَى مُـعْـسِـرٍ يَـسَّـرَ اللَّهُ عَـلَـيْـهِ فِـي الدُّنْـيَـا وَالْآخِـرَةِ ، وَمَـنْ سَـتَـر مُـسْـلِـمـًا سَـتَـرَهُ اللَّهُ فِـي الدُّنْـيَـا وَالْآخِـرَةِ ، وَاللَّهُ فِـي عَـوْنِ الْـعَـبْـدِ مَا كَـانَ الْـعَـبْـدُ فِي عَـوْنِ أَخِـيـه ... )) الحديث .

 أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه برقم (2699) .

وإنني لأرجو أن يكون ابني عبدالمجيد ممن لهم حظ من تلك الأجور عند ربه ؛ لأنه كان يخفي إحسانه إلى الناس ، ولقد غادر الدنيا وهو لا يملك من حطامها شيئًا يُذكر ، إلا مطعمـًا عائده لإجار بناء ذلك المطعم ورواتب عمـاله ، وما أقل ما يفضل عنه بعد ذلك ، وحين رأيته مسجّىً قبيل تغسيله وقد شوت النيران جسده الطاهر قلت : رحمك الله يا عبدالمجيد ، لقد ماتت بموتك آمال عِـرَاض ، أكثرها من أجل أبيك ومشروعه العلميّ ، والتوسعة على أهلك ، وتعطلت برحيلك أعمال يقوم عليها هذا المشروع ، لا أدري ما السبيل إلى حلّ مشكلاتها ، أسأل الله تعالى تيسير أمرها .

هكذا غادر ابني عبدالمجيد هذه الدنيا ، وما زال رحيله كالحُلُم ، لا أستوعب أنه رحل إلا إذا تأمّلتُ وفكّرتُ أنه حقيقة لا مرية فيها

رحل من كان مِـلْءَ سمعي وبصري ، وتركني أنوء بأعباء السنين ، وثقل التبعات التي كان يتحملها عني  ولحق بأمه رحمهما الله تعالى ، وإن ما أصابه شبيه بما أصابها ، بكيتُ عبدالمجيد ، ومازلت أبكيه في خلوتي ، وقد كنت آمل أن يبكيني ، ويتولّى شأني بعد رحيلي ، فليت شعري كم سأعيش بعده ، أسأل الله تعالى أن يكتب لي ميتة يرضاها لي ويرضى بها عني .

ولقد أحبَّـتـه جدته أُمِّي وأحبَّـتـه أُمُّه حبـًّا شديدًا ، ولم أكن أعرف سرًّا لشدة محبتهمـا إياه ، فهل لذلك ارتباط بقِصَر عمره ، الله أعلم بذلك ، وكذلك كان محبوبـًا من أهله وزملائه ، لا يصبرون على فراقه .

وإن أعظم مصاب بموت ابني عبدالمجيد زوجته الصالحة (( أم هديل )) ويالها من زوجة وصولة للأرحام ، صَوَّامة قَــوَّامة  بكَّاءة بالأسحار مع حداثــة سنها .

ولقد فقدت هذه المرأة المباركة زوجها ، وهُـدِم بيتها ، واحترق كل ما فيه ، وأصيبت في جسدها إصابات بالغة ، وهي الآن تحت العناية الفائقة ، تعاني آلام الحروق المبرحة ، صابرة محتسبة ، تتذكر ذلك الزوج الحنون الذي عاملها أحسن المعاملة ، ولم يُـمَــتَّـعَـا بهذه العشرة الطيبة إلا سنتين وشهرًا وبضعة أيام .

لكِ الله يا أم هديل ، ما أعظم بلاءك ، وما أشد مـحـنـتك ، والله لو نزل ما نزل بك على جبل أشم لتصدّع  ولكن الله ربط على قلبك فرضيت وسلَّـمتِ ، واحتسبتِ ما أصابكِ عنده تعالى ، وإني لأسأله جلت قدرته أن يصدق عليك وعلى زوجك أبي هديل قوله تعالى : {الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ }  النور : 26 .

وإن من لطف الله العجيب أن ابنتهمـا (( هديل )) سلِمَت ؛ حيث أخرجوها بعد أن اشتعل حولها كل شيء ولم تصب بأذى ،  فانظر يا أخي إلى عناية الله العجيبة المذهلة ، كيف سلمت هذه الطفلة الضعيفة من الحريق والدخان وصوت الانفجار الشديد ، وسنها لا يتجاوز عامـًا وثلاثة أسابيع .

إن الحديث الذي يُـروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : (( اللَّـهُـمَّ وَاقِـيـةً كَـوَاقِـيَـةِ الْـوَلـِيد )) (1) يصدق على هذه الطفلة وغيرها - مع ضعفه - لأن الوليد ؛ أي : الطفل الصغير يتولى الله حفظه ورعايته وسط الحوادث المفزعة ، إذا أراد الله له الحياة ؛ لأنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه ، ولم يتلبَّس بالآثام والمعاصي حتى يتعرض للتمحيص والتكفير ، وكم سمعنا من حوادث السير الفاجعة التي يموت بسببها في كثير من الأحيان جميع أفراد الأسرة ، وينجو في الغالب الصغار من الرُّضَّـع وغيرهم .

وقد حصل هذا لي حيث ذهبت بأهلي عام 1413هـ إلى مدرسة تحفيظ القرآن ، وفي أثناء سيرنا في الشارع خرج علينا من الجانب الأيمن أحد المتهورين ، وضربنا ضربة شديدة ، كانت من جهة أم عبدالمجيد رحمهما الله تعالى ، وماتت في الحال ، وابننا (( أنس )) في حجرها ، وعمره إذ ذاك سنتان وأشهر ، ولم يصب بأدنى أذى  أصلحه الله تعالى ووفقه .

أسأل الله تعالى بأسمائه الـحُـسْـنى وصفاته العُـلى أن يجبر مصابنا وكسرنا في عبدالمجيد ، وأن يجعل ما حصل له من بلاء مُـحِّـققـًا للشهادة ، فإن الحريق شهيد (2) ، كما ثبت ذلك عنه صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولا نملك له إلا الدعاء بما دعا به أنس بن مالك رضي الله عنه لأحد أبنائه بعد أن واراه في قبره : (( اللّهم عبدك وابن عبدك وقد رُدَّ إليك ، فارأف به وارحمه ، وجاف الأرض عن بدنه ، وافتح أبواب السماء لروحه ، وتقبله بقبول حسن )) .

وأحب أن أدعو له أيضـًا ببعض دعاء الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز لابنه عبدالملك بعد دفنه :

 (( رحمك الله يا بُـنـيّ ، لقد كنت بارًا بأبيك ، فرحمك الله وغفر لك ذنبك ، وجزاك بأحسن عملك ، ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب ، رضينا بقضاء الله ، وسلَّـمْـنَـا لأمر الله ، والحمد لله رب العالمين )) .

أسأل الله الذي متّعني بابني عبدالمجيد في الدنيا أن يجزيه عني خير ما يجزي ولدًا عن والده ، ويلطف بي بعده ، وألّا يحرمني أجره ، ولا يفتني بعده ، وأن يجمعني به مع والديّ وأمه وإخوانه وأخواته وأهله وكل من نحبهم في دار كرامته ومستقر رحمته ، وأن يجبر مصاب زوجته (( أم هديل )) ويجمعها به في دار النعيم المقيم ، وأن يعظم لها الأجر ، ويمن عليها بالشفاء العاجل ، ويلطف بها ، ويُـقِـرَّ عينيها بابنتها ، وينشِّئها النشأة الصالحة ويجعلها خير عقب لوالديها ، إنه سميع مجيب .

ويجب على كل مصاب أن يتذكر مصابه بموت سيد الخلق وإمام المتقين صلوات الله وسلامه عليه ، فموته أعظم مصيبة وفتنة في تاريخ البشرية جمعاء ، ولنتذكر قول فاطمة الزهراء رضي الله عنها حينمـا قُبض أبوها صلوات الله وسلامه عليه : (( يَا أَبَـتَـاهُ أَجَـابَ رَبـًّا دَعَـاهُ ، يَا أَبَـتَـاهُ مَـنْ جَـنَّـةُ الْـفِـرْدَوْسِ مَـأْوَاهُ ، يَا أَبَـتَـاهُ إِلَى جِـبْـرِيلَ نَـنْـعَـاهُ )) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (4462) من حديث أنس رضي الله عنه .

فتأمل توجعها لموت سيد الخلائق عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم دون تسخُّـط ولا تبرم .

          * وصايا أب مكلوم لأبنائه البررة ، من يعرفهم ومن لا يعرفهم :

أودّ أن أختم هذا المقال بذكر بعض الوصايا التي أخص بها أبنائي الشباب الذي هم في سن ابني عبدالمجيد رحمه الله تعالى أو أصغر منه ، فأقول ، وبالله التوفيق والتسديد :

          *) إياكم يا أبنائي والانخداع برَيْعان الشباب ومقتبل العمر ، فليست مرحلة  الشباب واكتمال الفتوة دليلاً على طول العمر ، فالموت لا يفرّق بين الصغير والكبير وبين الشاب والشيخ ، فكم من شاب في أوج قوته يتدفق نشاطـًا وحيوية تخطَّفتـه يد المنون ، وأخذه الموت في أسرع من لمح البصر .

والشاب الموفَّق من يحرص على اغتنام ساعات عمره من حين يجري عليه قلم التكليف ؛ لأن بدء جريان

قلم التكليف عليه مشعر له أن ما يصدر عنه من حسنات وسيئات يُـسجّل كله عليه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، وأن التسويف تضيـيع لمدة الإمهال ، وخسران لا يعوّض ، وأن زهرة الشباب سريعة الذبول  ووهجه سريع الانطفاء ، وعجلة الزمان لا يمكن إيقافها .

ولله در الشاعر التهاميّ رحمه الله تعالى إذ يقول :

          *) مرحلة الشباب يا بُنيّ أهم مراحل العمر ، فيها يكون الشاب في اكتمـال الفُتُوَّة ، وتمام العافية ، وقوة النشاط ، مع قلة الشواغل ، فإذا كتب الله للمرء طول العمر ، وانقشع عنه ظل الشباب - وما أسرع انقشاعه - دخل في مرحلة الكهولة التي تبدأ فيها المتاعب الصحية ، وتكثر أعباء الحياة ، وتـتـزاحم المسؤوليات ، حينئذ تضيق عليه فرص الطاعات ، وجدير بنا أن نأخذ بوصية نبينا عليه الصلاة والسلام : (( اغْـتَـنِمْ خَـمْساً قَـبْـلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَـبْـلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَـبْـلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَـبْـلَ فَـقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَـبْـلَ شُغْلِكَ  وَحَيَاتَكَ قَـبْـلَ مَوْتِكَ )) (3) .

وتأَمل يا بُـنيّ جُمَل هذا الحديث فقد جاءت على ترتيب معجز ، وكان البدء فيه بمرحلة الشباب قبل كل شيء .

إن مرحلة الشباب لا يدرك الإنسان قيمتها وأهميتها إلا بعد انقضائها ، فيتحسر عليها ، ولات ساعة حسرة

 وحاله حينئذ كمـا قال الشاعر :

وسرعة انقضاء مرحلة الشباب أمر نبه عليه السلف ، ومن ذلك قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى : (( مَـا شَـبـَّـهْـتُ الشَّـبَـابَ إِلَّا بِـشَـيْءٍ كَـانَ في كُـمِّي فَـسَـقَـطْ )) .

          ويقول الشاعر التهاميّ :

          *) مـيدان الأعمـال الصالـحة يا بنيّ واسع لا يستطيع أحد قَطْعه ولا ذَرْعَه ، فـنـافس فـيـه أرباب الهمم في الطاعات ، وكن من فرسانه ، واحذر السلوك في بُـنـيَّـات الطريق فإنها تفضي بك إلى المهالك .

وليس هناك بعد الفرائض التي  فترضها الله عليك مثل بر الوالدين ، وما كان نفعه متعدِّيــًا ، ومجال النفع المتعدّي تضيق به الأعمار وإن طالت ، وأفضله اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف ، فاجعل لنفسك منه خبيئة تنفعك عند ربك ، واحفظ مع ذلك لسانك وجوارحك ما استطعت تحرز الثواب العظيم والأجر الجزيل .

وإنني لأحمد الله تعالى أن وفق ابني عبدالمجيد إلى برّه بي وتعهده بعض الأيتام والفقراء المعوزين بما كان يقدر عليه ، أسأل الله تعالى أن يتقبل ذلك منه ، وأن يكون له خبيئة عنده .

واعلم يا بني أن الدنيا ظل زائل ، وسراب خادع ، وهي ليست دار إقامة ، وإنما هي دار عمل ، وقنطرة إلى الآخرة ، والآيات في ذمِّها والانخداع بتزيـين الشيطان لها كثيرة ، وحسبنا قوله : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} .

وقد صور الشاعر أحوال أهلها فيها بقوله فأحسن :

ألا فمـا أحسن وأجمل أن يوفق الشاب إلى العمل الصالح ليكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، ويُذْكَر قبل ذلك بحميد الخصال في حياته وبعد مماته .

وختامـًا أرجو مُلِحــًّا من كل أخ يطّلع على هذا المقال أن يدعو للابن عبدالمجيد رحمه الله تعالى ، وأن يسامحه إن كانت له به معرفه ، كمـا آمل الدعاء لزوجته الصابرة المحتسبة (( أم هديل )) بالشفاء العاجل ، وأن يخفف عنها محنتها  كمـا أرجو من كل محب أن يدعو لنا بتيسير قضاء ديون ابني عبدالمجيد ، وأن يلطف بي بعد موته ، فرب دعوة من أخ صادق ينفعنا الله بها نفعـًا عظيـمـًا ، والحمدلله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنـًا ، وصلَّى الله وسلَّم على خير خلقه ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

بقلم العبد الـمـفـتقر إلى رحـمة ربه

عبدالله بن محمد سفيان الحكميّ   

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حديث (( اللَّـهُـمَّ وَاقِـيـةً كَـوَاقِـيَـةِ الْـوَلـِيد )) حديث طرقه كلها واهية شديدة الضعف ، وهو مخرَّج في عدد من كتب السنة ، كالزهد لأحمد  والمسند لأبي يعلى ، والسنة لابن أبي عاصم ، والدعاء للطبرانيّ والكامل لابن عديّ ، ومسند الشهاب وغيرها .

والحديث وإن كان ضعيفًا من جهة الإسناد إلا أن معناه صحيح ، والواقع يشهد بذلك في وقائع لا تقع تحت حصر ، وجاء في الزهد لابن الـمبارك بلاغ بمعناه : ص (532) (( اللَّـهُـمَّ احْـفَـظْـنِـي بِـمَـا تَـحْـفَـظُ بِـهِ الصَّبِيَّ )) .

(2) ثبت هذا الحديث عن جابر بن عَتِيك رضي الله عنه ضمن سياق خبر موت عبدالله بن ثابت رضي الله عنه ، وفيه (( وَمَا تَـعُدُّونَ الشَّـهَـادَة ؟ قَـالُـوا : الْـقَـتْـلُ فِـي سَـبِـيـلِ اللَّهِ تَـعَـالَى ، قَـال رَسُـولُ اللَّهِ صَـلَّى اللَّهُ عَلَـيْـهِ وَسَـلَّـمَ (( الشَّـهَـادَةُ سَـبْـعٌ سِوَى الْـقَـتْـل فِـي سَـبِـيـلِ اللَّهِ : الْـمَـبْـطُـونُ شَـهِـيدٌ ، والْـغَـرِيـقُ شَـهْـيدٌ ، وَصَـاحِـبُ ذَاتِ الْـجَـنْـبِ شَـهِـيـدٌ ، وَالْـمَـطْـعُـونُ شَـهِـيدٌ ، والْـحَـرِيـقُ شَـهِـيـدٌ ، وَالَّذِي يَـمُـوتُ تَـحْـتَ الْـهَـدْمِ شَـهِـيـدٌ ، والْـمَـرْأَةُ تَـمُـوتُ بِـجُـمْعٍ شَـهِـيـدٌ )) .

أخرجه مالك في (( الـمــوطأ )) (1/233-234) ومن طريقه : أبو داود برقم (3111) والنسائيّ برقم (1846) وابن حـبان برقم (3189) و (3190) والحاكم (1/351-352) وصححه ووافقه الذهبيّ .

(3) هذا الحديث صحيح لغيره بمجموع طرقه وشواهده ، أخرجه ابن أبي الدنيا في (( قصر الأمل )) برقم (111) ومن طريقه البيهقيّ في (( الجامع لشعب الإيمـان )) برقم (9767) .

وأخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ، وأقره الذهبيّ ، وحسنه العراقيّ .

وللحديث شواهد يرتقي بها إلى الصحيح لغيره كمـا أسلفت ، وقد خرجت الحديث في حاشية (( عدة الطلب )) : ص (118) وتكلمت عن ترتيب جمله البديع .

  

 

 

 

 

 

 

Web Traffic Statistics