.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

 

الحمدلله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله صحبه ومن والاه .

وبعد : فإن الله تعالى خلق الناس وجلبهم على طبائع مختلفة لحكم عظيمة ، فجعل منهم العاقل وغير العاقل ، والحليم والأحمق ، وحسن الخلق وسيئه ، والمتواضع والـمـتكبر والكريم والبخيل ، وغيرهم من طبقات الناس المختلفة ، والذين يتعذر وصفهم وتصنيفهم التصنيف الدقيق .

لكن العاقل يتعامل مع أصحاب هذه الطبائع المختلفة وفق الميزان الثلاثيّ الذي عبر عنه شيخ مشايخنا العلامة الجليل:محمد عليّ بن عبدالودود الشنقيطيّ رحمه الله تعالى بقوله (1):  

فكل من تتعامل معهم من إخوانك المسلمين لا يخرج التعامل معهم عن هذا الميزان الثلاثيّ وهم باعتبار طبائعهم طرفان ووسط ، كما جاء في هذه الأبيات .

فالطرف الأول : وهم أول الأصناف الثلاثة ، ويمثلون السواد الأعظم ممن نتعامل معهم فمنهم الموظف في الدوائر الحكومية ، يذهب الواحد منا إليه لقضاء حاجة من الحوائج ومنهم من نحتاج إليهم في إصلاح ما يتعلق بالدور ، من بناء وتهئية للوازمها المختلفة من إنارة وسباكة ، وغيرها من منافع الحياة المختلفة ، ومنهم من نحتاج إليهم في البيع والشراء وغير ذلك من أصناف التعامل والحاجات الكثيرة التي لا تحصى .

والطرف الـمـقابل له : وهم الذين يمثلون الصنف الثالث ، وهم على النقيض تـمـامًا فـهـم كالداء لا يـُـحتاج إليهم ، والمسلم العاقل يشقى بهم ، ومنهم بعض الأقارب ولا يسلم أحد من الأقارب الذين يكيدون له ، ولقد اصطلينا جـمـيـعـًا بأذيـة بعضهم ، وصدق من وصف هذا الصنف من الناس بالعقارب ، كفانا الله شرهم ، ودفع عنا أذاهم .

ومن هذا الصنف من الناس جار السوء ، وحسبك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذ منه فقال : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن جَارِ السُّوءِ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ ، فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَـةِ يَتَحَوَّلُ (3) )) .

فكثير من الناس يُـبـتـلون بجيران سوء ينـغـصّون عليهم حياتهم ، بل إن جيران السوء قَــلَّ أن يسلم من أذيتهم أحد في زماننا هذا ، وقد تنقلت في أحياء عدة في الرياض من نحو 37 عامًا فمـا سلمت في حيّ من هذه الأحياء من جار السوء ، وأقلهم شرًّا من لا تراه في المسجد إلا نادرًا  .

وهناك صنف من الناس يحار العاقل في الحكم عليهم ، فلا يدري بأيّ صنف يُـلـحِـقهم وهم الثقلاء ، لكن عامتهم يُلحقون بالصنف الثالث ، وما عندهم من خير يُـحجب بثقل طباعهم ، ومنهم طلاب علم يزعجون أشياخهم بكثرة اتصالهم بالهاتف وإلحاحهم الشديد فيضيق بهم هؤلاء الشيوخ ويتخففون من إزعاجهم ، وهذا في القديم والحديث على حدّ سواء .

وأقوال أهل العلم في التنفيـر من سلوك الثقلاء كثيـرة جدًا ، شعرًا ونـثـرًا .

عن الأصمعيّ قال : قال ابن أبي طرفة (( مجالسة الثقيل حُمَّى باطنة (4) )) .

وعن عبدالله بن شبرمة قال : سمعت الشعبيّ يقول :

وقيل للأعمش : ما تصنع عند مُطَــهَّر ؟ (6) قال : (( آتيه كما آتي الـحُـشّ إذا لي إليه حاجة )) (7) .

وقال رجل للشعبيّ : (( ما زلت في طلبك ، فقال الشعبيّ : وما زلت منك فارًا )) (8) .

وجاء رجل-من الثقلاء- إلى الأعمش ، فقال:يا أبا محمد اكتريت حـمـارًا بنصف درهم وأتيتك أسألك عن حديث كذا وكذا ، فقال : ((كتر بالنصف الآخر وارجع )) (9) .

قال ابن طاوس  : (( لَـكَـلَام ثـقـيـلٍ أشدّ عليّ من الشيطان )) (10) .

ومن الروايات الشائعة أن رجلاً كان يتردد على الأعمش ، والأعمش يستـثـقله فقال هذا الرجل : لولا أن أشق عليك لزرتك في اليوم مرتين ، فأجابه الأعمش : (( والله إنني أمرض منك وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني )) .

أما الصنف الْـمَرْضِيّ الخفيف على النفس ، الذين هم كالغذاء ، فإن العاقل لا يستغني عنهم ، وهو دائم الأنس بهم ، إذا  غابو عنه حداه الشوق إليهم ، وتاق إلى رؤيتهم ، وإن التقى  بهم فرح بلقياهم ، واستمتع بالحديث معهم ، وبث شجونه إليهم ، وشاورهم في كل ما يهمه ، وصدق عليهم قول الشاعر :
 

إنهم الذين تحبهم في الله ويحبونك فيه ، وهم الذين لا يزدادون إلا قلة في زماننا ، كما قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى :

 

وهم الذين يصدق عليهم قول الشاعر :

أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن وصفهم علقمة بن لبيد العطارديّ بقوله في نصيحته لابنه : (( يا بُنَيَّ إذا نَزَعَتْكَ (14) إلى صُحبة الرجال حاجةٌ فاصحب منهم من إن صحبته زانَك ، وإن خدمته صانك ، وإن أصابتكَ خَصاصةٌ (15) مانَكَ (16) ، وإن قلتَ صَدَّقَ قولك ، وإن صُلْتَ (17) شَدَّ صَوْلَك (18) ، وإنْ مَدَدتَ يَدَك بِفَضْلٍ مَدَّها ، وإن رأى منك حسنة عدَّها ، وإن سألته أعطاك ، وإن سَكَتَّ ابتداك ، وإن نزلَتْ بك إحدى الـمُلِمَّات (19) آساك (20) ، مَن لا تأتيك منه البوائق (21) ، ولا تختلفُ عليك منه الطرائق (22) ، ولا يخذلك عند الحقائق ، وإن حاول حَوِيلا (23) آمَرَك (24) ، وإن تنازعْـتُما مُنْفِساً (25) آثَرَك )) .

وصلّى الله وسلّم على خير خلقه وختام أنبيائه ، وعلى آله وصحبه .

ـــــــــــــــــــــــ

 (1) لعل الشيخ محمد عليّ بن عبدالودود اطلع على كلام المأمون الخليفة العباسيّ الذي أورده الإمام ابن قتيبة في عيون الأخبار (2/407-ط : المكتب الإسلاميّ) ونصه : (( الإخوان ثلاث طبقات : طبقة كالغذاء لا يُستغنى عنه ، وطبقة كالدواء لا يُحتاج إليها إلا أحيانًا ، وطبقة  كالداء لا يُحتاج إليها أبدًا )) .

(2) الضمير في قوله (( له )) يعود إلى معلوم في الذهن ، وهو الداء المفهوم من السياق .

(3) أخرجه ابن أبي شيبة (8/359) وعنه أبو يعلى في مسنده برقم (6536) والطبرانيّ في الدعاء برقم (1340) وأخرجه البخاريّ في الأدب المفرد برقم (117) والنسائيّ في الصغرى برقم (5502) وفي الكبرى برقم (7886) وابن حبان في صحيحه برقم (1033) والحاكم في المستدرك (532/1) وقال : صحيح على شرط مسلم ، ومن طريقه البيهقيّ في (( الدعوات الكبير )) وغيرهم من طرق عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه  برقم (347) وله شواهد ومتابعات يرتقي بها إلى الحسن لغيره ، والكلام عليه من ناحية الصناعة الحديثية يطول به الكلام  ، ومعنى (( يتحول )) في آخر الحديث : ينتقل ، والله أعلم .

(4) و(5) و(6)و(7) و(8)و (9)و (10) نقلاً عن كتاب (( ذم الثقلاء )) لابن المرزبان ، ص (62-97) .

ولفظ (( البَِـزْر )) الواردة في بيت الشعبيّ : بكسر الباء وفتحها - والكسر أفصح - كل حب يُـبذر للنبات ، كمـا في القاموس .

(6) مُـطَـهَّـر : هو مُـطَــهّـر بن الـهيثم بن الحجاج الطائيّ ، متروك ، كمـا في (( التقريب )) ص (564) .

(11) هذان البيتان سمعتهـمـا قديمـًا من العلامة الشيخ محمد بن سالم البيحانيّ ، رحمه الله تعالى .

وهما في (( عيون الأخبار )) لابن قتيبة (2/409) لكن فيه (( من لن يخدعك )) بدل (( من كان معك )) .

(12) ديوان الإمام الشافعي ، بعناية محمد عبدالرحيم : ص (163) .

(13) عيون الأخبار (2/409) ونسبه إلى أعشى باهلة .

(14) نزعتك حاجتك : غالبتك فنازعتك نفسك إلى هواها ، وزانك : كان زينة لك .

(15) و (16) الخصاصة : الفقر والحاجة واختلال الحال ، و (( مانك )) كفاك وأنفق عليك وعالك ، يقال : مانه يَـمُـونه ، إذا احتمل مؤونته وقام بكفايته .

(17) و (18) صُلْتَ : مضيت في أمورك بعزم ، وهو من قولهم : صال الجمل يصول ، إذا وثب على راعيه فأكله ، والمراد : شَدّ من عزمك .

(19) و (20) الـمُـلِـمَّـات : جمع مُلمَّـة ، وهي النازلة الشديدة من شدائد الدهر و (( آساك )) : أنالك من ماله فجعلك مساويًا له فيه .

(21) البوائق : جمع بائقة ، وهي الشرور والغوائل ، وهو من قولهم للداهية والبلية تنزل بالقوم : أصابتهم بائقة .

(22) الطرائق : جمع طريق ، وهي الحالة والسيرة ، أي لا تغير حاله الظروف .

(23) و (24) حاول حويلاً : أراد أمرًا ، والحويل : الاسم من حاول  و (( آمرك )) : شاورك ، يقول : إن همَّ بأمر وعزم عليه نفسه شاورك .

(25) الـمُـنْـفِـس : النفيس ، المرغوب فيه ، الذي له قدر ومنزلة ، ويُـتنافس فيه ويرغب .

 

 

 

 

Web Traffic Statistics