.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

 

الحمد لله الذي جعل العلماء في كل زمان ومكان حجة على الناس ، فهم كالمعالم على طرقهم وكالنجوم يهتدون بـها في لياليهم ، والصلاة والسلام على إمام العلماء ، وقدوة الأتقياء ، وسيد الحنفاء نبينا وقدوتنا وإمامنا وحبيبنا محمد صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وصحبه أئمة الهدى ، ومصابيح الدُّجى ، وعلى التابعين لهم ، ومن تبعهم واقتفى أثرهم ، واستن بسنتهم إلى يوم الدين .

أما بعد : فقد تملكتني الحيرة قبيل إطلالة هذا الشهر ، وطال تفكيري عن أيّ موضوع سيكون مقال شهرنا هذا ، هل سأكتبه عن النظام النصيريّ البعثي في سوريا ، وفظائعه التي لم نسمع بمثلها ، ومؤازرة ملل الكفر كلها له ؛ ليبقى درعاً واقيًا لإسرائيل ودولة الرافضة بإيران ، وهل سأكتبه عن تيار الزندقة المتنامي والمتفاقم في بلادنا ، أو هل سيكون موضوع مقال هذا الشهر عن النيل من كتاب الله ، وما تفاجئنا به حامية الصليبية الحاقدة أمريكا كل حين من انتهاك مقدساتنا وحرماتنا ، واستفزازنا بأساليبهم القذرة .

ولا ريب أن أهل العلم قد قاموا بما به تبرأ الذمم ، وما أُسهم به إنما هو من باب إلقاء دلوي بين الدلاء ، وما دلوي بين تلك الدلاء إلا شَنّ يجيء بحمأة وقليل من الماء .

ولعلّي أنتزع نفسي من بين هذه الهموم المُقِضَّة للمضاجع لأكتب عن جانب من جوانب الصلة بيني وبين شيخي الإمام العلامة الجهبذ الشيخ محمد سالم بن عبدالودود الشنقيطيّ رحمه الله تعالى ، وجزاه عنا خير ما يجزي عالمًا عن طلابه ، وعلمًا عن أمته ، وذلك لأمر مفاجئ لي ، سيأتي في آخر المقال .

إن صلتي بشيخنا بدأت مع ميلاد المشروع العلميّ الذي بدأت العمل فيه في أواخر 1418 ه حيث نشأتْ في نفسي رغبة جامحة في الطلب من شيخنا رحمه الله تعالى أن ينظم لنا متن (( عمدة الفقه )) للإمام ابن قدامه الحنبليّ رحمه الله تعالى ، وتشاورت مع تلميذه المعروف الشيخ محمد الحسن في هذا الأمر وعرضت عليه فكرة كتابة خطاب يتضمن هذه الرغبة ، فأقرني على ذلك ، وبعثت له في صيف عام 1419 هـ خطابًا نثريًّا ، ختمته بأبيات منها (1) :

ولقد كان الرَّدّ سريعًا جدًّا ، حيث شرع في صيف العام نفسه بنظم هذا المتن ، وعاد شيخنا الحسن مع بداية الدراسة بنظم أكثر من ثلاثمائة بيت ، تضمن كتاب الطهارة ، وبعض أبواب الصلاة ، ثم تابع الشيخ النظم ، في مجالس متفرقة ، وفي بلاد متعددة ، حسب ما يتاح له من وقت ، رغم شواغله الكثيرة وأعماله العلمية الكبيرة ، وبعض أبواب العمدة ومسائلها نظمه في قريته (( أم القرى )) وبعضها نظمه في مكة والمدينة ، وبعضها في المغرب والإمارات ، وغيرها من البلدان التي يسافر إليها ، ومما نظمه في المدينة (( كتاب الديات )) (6) وفي معرض نظمه لدية الخطأ وخلاف أهل العلم في ذلك ، قال رحمه الله تعالى :

لقد زرته في مكة أثناء انعقاد مؤتمر المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلاميّ ، فرأيت مسوَّدة النظم بجانبه ، وكان قد وصل في ذلك الوقت إلى نهاية كتاب الحج ، وقد سمعت منه كتاب الحج كاملًا بصوته ، ثم تتابع عقده لهذا المتن المبارك إلى أن فرغ منه في زهاء سنتين ، ينقطع فيها عن النظم أحيانًا بسبب أعماله العلمية الكثيرة ، وقد تخللها بعض التعديل والزيادات والمراجعات المتعلقة بأصول العمدة الخطية ، وكان معظم النظم يصلني عن طريق ابنه الأكبر الدكتور الشيخ : محمد عدّود ، لأنه مقيم في الرياض ، بل إنه جزاه الله خيرًا سجل لي قسم المعاملات تسجيلاً صوتيًّا ، لأنني لم أتعوّد على قراءة الخط الكوفيّ الأندلسيّ الذي يكتب به مشايخنا الشناقطة ، وخط الشيخ دقيق جدًّا ، فاستعنت بالتسجيل على قراءته .

ولقد كان انتهاء شيخنا من نظم العمدة فتحًا علينا كبيرًا ، حمدتُ الله عليه حمدًا كثيرًا ، ولا زلت أحمده على هذه النعمة ، رغم أن الشيخ لم يقتصر على نظم المتن ، وإنما أضاف إليه قسم المعاملات وجل ما في شرحه (( العدة )) لبهاء الدين المقدسيّ ، مع استيفاء عزو الأحاديث والآثار والحكم على أكثرها صحة وضعفًا (7) ، وهو أمر لا يُعْرَف في أيّ متن من المتون المنظومة في علم الفقه حسب علمي ، وإنّ متنًا يقارب عدد أبياته أربعة آلاف بيت ، يحتاج إلى همة عالية ، ومع هذا فإن عددًا قليلاً من طلاب العلم حفظوه ، وبعضهم شرع في حفظه ، واللهَ تعالى أسأل أن يرزقنا وطلاب العلم الهمة العالية .

ولقد كان الشيخ مرجعًا لي أكرمني الله به ، ألجأ إليه في أشد المعضلات العلمية التي لا أجد لِعُقَدِهَا حلاًّ في كتب أهل العلم ، أو في مشافهة من أسألهم من الأحياء إلا عنده ، وكنت أغتنم فرصة مجيئه إلى مكة ، فأقيم بجواره إلى أن يسافر ، أو أتصل به هاتفياًّ حينما ينـزل إلى العاصمة (( نواكشوط )) أو يسافر إلى بعض البلدان لحضور بعض المؤتمرات العلمية ، فأجد في الاتصال به فرصة لسؤاله عن بعض ما يعرض لي من المشكلات العلمية ، وأدوّن إجاباته السديدة عليها .

وفي أعقاب فراغه من نظم العمدة ، والذي اختار له اسم (( الموثق من عمدة الموفق )) أبديت له رغبة أخرى من رغبات التي تعتلج في صدري ، في أن ينظم لنا متنًا في أصول التفسير ، فقال لي : هل تعرفون متناً مناسباً للعَقْد ؟ (8) قلت : سبحان الله يا شيخنا ، هل نصلح أن يُوَجَّه إلينا هذا السؤال ؟

إنني وأمثالي من طلاب العلم أجهل من أن نقترح على شيخنا كتبًا للعَقْد ، ومع ذلك تناقشتُ معه في ذكر بعض الكتب التي لها علاقة بهذا العلم ، من أهمها ثلاثة ، وهي :

1) الإكسير في قواعد التفسير للعلامة الطوفيّ ، المتوفى سنة 716 هـ  .

2) التيسير في قواعد التفسير للعلامة الكافيجيّ ، المتوفى سنة 879 هـ .

3) التحبير في علم التفسير للعلامة السيوطيّ ، المتوفى سنة 911 هـ .

وفي ذلك الحين أبدى الشيخ تحفظه على الطوفيّ بسبب ما أثير حول شخصه من قضايا الاعتقاد .

وإلى هنا انتهى علمي بهذا الموضوع ، واعتقدتُ أن الشيخ صرف النظر عن هذا المطلب لينكفئ على إنجاز مشروعه العلميّ الكبير الذي ينتظره جماهير المالكية علماء وطلاباً ، وهو : نظم مختصر خليل رحمه الله تعالى وشروحه وحواشيه (9) ، وغيره من الأعمال العلمية ، ومواصلة التدريس في محضرة آل عدّود العامرة ، وهي محضرة يفد إليها مئات الطلاب من مختلف الجنسيات ، ثم ألَمَّ به المرض العضال إلى أن رحل عن دنيانا الفانية يوم الأربعاء الرابع من جمادى الأولى سنة 1430 هـ .

وبرحيله غابت المرجعية العلمية التي تستوعب جميع العلوم العقلية والنقلية ، ورحلت برحيله مئات الفوائد النادرة التي كان ينظمها لطلاب العلم ، واحتجبت شمس العلوم التي كنا نبصر بضيائها المشكلات العلمية الدقيقة .

وتجسّدت الفاجعة برحيله من جديد ؛ حين أرسل إليَّ ابنه الأكبر الدكتور الشيخ : محمد بن محمد سالم من نحو شهر مقدمة نظمه لأصول التفسير وقواعده عن طريق البريد الشبكيّ ، وقد وجدها بين الأوراق التي يحتفظ بها لوالده ، رحمه الله تعالى ، وحين أرسل إليَّ هذه المقدمة أجهشت بالبكاء ، وعلمت عظم حرماننا نحن طلاب العلم من نظم متن في علم لا نجد فيه متنًا منظومًا إلا محاولات يسيرة لا يُمَيَّز فيها بين أصول التفسير وعلوم القرآن ، ومتونهم المنظومة التي اطلعت عليها يغلب عليها ضعف النظم والإيجاز المخلّ ، والحمد لله على كل أمر يدبِّره ، وعلى كل تقدير يقدِّره ، وهو الحكيم العليم .

ومن عجائب أقداره ، وعظيم حكمته ، أنه يقضي بالموت على المرء فجأة ، وهناك أعمال كثيرة قد شرع فيها فتتوقف بموته ، وفي مثل هذه الأحوال لا نملك إلا التسليم والرضا .

ومع ما أصابني من ألم الحرمان ، أعلم يقينًا أن ذلك مقدر في لوحه المحفوظ ، والذي نرجوه ونؤمِّله أن الله سيجزيه على هذا العمل الذي شرع فيه ولم يكمله خير الجزاء ، ونسأله تعالى أن يأجرنا في مصيبتنا ويخلف لنا خيرًا منها .

وإلى طلاب العلم الذين يعرفون منزلة الشيخ أهدي هذه المقدمة لنظم أصول التفسير الذي كان ينوي إتمامه :

* ولي مع هذه المقدمة الرائعة بعض الوقفات :

أولـهـا : مسارعة الشيخ لتلبية مطالب تلاميذه ومحبيه ؛ لعلمه أن هذه المطالب صادرة عن حاجة منهم لتحقيقها .

ثانياً : أن الشيخ رحمه الله تعالى صرَّح باسم المتن الذي شرع في نظمه في البيت الثاني من مقدمته ، وهو (( وسيلة الوصول لما لدى التفسير من أصول )) أو ((  لما للتفسير من أصول )) .

ثالثاً : شدة تواضع الشيخ الذي قَلَّ من يتصف به في زماننا هذا ، فقد وصف نفسه بالغباء ، في آخر المصراع الثاني من البيت الثالث ، وحاشاه ، ثم ذكر في آخر المصراع الثاني من البيت الرابع : أن من الشقاء أن يتفرد بالسؤدد ، أي المجد والشرف ، ليُرجَع إليه في أمور العلم ، ويُطلب منه نظم المتون في أهم العلوم ، يقول هذا وهو باتفاق علماء زمانه ممن يعرفونه أنه متفرِّد بالسؤدد .

رابعًا : أن المتأمل في الأبيات الثلاثة الأخيرة يتضح له جليًّا أن الشيخ لم ير أن أحد هذه الكتب الثلاثة كافيًا في أصول التفسير ، فجعل كتاب ((التحبير)) للسيوطيّ أصلاً ، وجعل كتاب ((التيسير)) للكافيجيّ متمِّمًا له ، ثم رأى أن يقتطف من كتاب ((الإكسير)) للطوفيّ ما يراه مهمًا .

ألا رحم الله شيخنا الجليل محمد سالم بن عدّود ، وجزاه عنا وعن أهل العلم خير الجزاء ، وجمعنا به في دار كرامته ومستقر رحمته ، وصلى الله وسلم على خير خلقه ، وعلى آله وصحبه .

* الهوامش :

ـــــــــــــــــــــــ

 (1) قد يقول قائل : إن في كلامك هذا مبالغة ، وكيف تقول هذا وأعلامنا الكبار موجودون .

وأقول : إن من جالس الشيخ عرف عنه مثل معرفتي ، وفي بلادنا - ولا ريب - أعلام كبار وأئمة هدى ، وهم بحور في علوم الشريعة ولكن إلمامهم بعلوم الآلة على قدر الحاجة ، وليس على سبيل الإحاطة والمقدرة على تدريس أهم متونها ، فلو طلب طالب علم من أحد علمائنا أن يشرح له لامية الأفعال لابن مالك مع احمرارها ، أو الكافية الشافية له ، أو متن الرامزة في العروض والقوافي لضياء الدين الخزرجيّ ، لاعتذر إليه ، وقال : ليس لي بهذه العلوم اشتغال .

فما قصدته أن شيخنا ابن عدُّود جامع لعلوم المعقول والمنقول ، وهذا الصنف من العلماء قليلون في عالمنا الإسلاميّ اليوم ، بل هم أندر من الكبريت الأحمر ، كما يقال .

(2) الجَذَل : هو الفرح .

(3) هَفَتْ : أسرعت .

(4) جملة  ((قد فصلا)) أي خرج ركب المجد مسرعين ، ولا يمكن اللّحاق بهم ، وهذا اللفظ مقتبس من قوله تعالى : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ...} (249) سورة البقرة ، وقوله تعالى : {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ ...} (94) سورة يوسف .

 (5) اعتاص : صَعُبَ وَعَسُر .

(6) راجع (( متن الموثَّق من عمدة الموفَّق )) ص ( 264 ).

(7) راجع - إن شئت - ما كتبته في مقدمة (( متن الموثَّق من عمدة الموفَّق )) ص ( 47 - 48 ) وكذلك في صفحات ( 40 - 43 ) .

(8) ذكر لي الشيخ أن بعض طلاب المحضرة أحضروا له كتباً معاصرة في أصول التفسير ، ورغبوا إليه أن ينظمها ، فأجابهم قائلاً لهم : إن كتب المعاصرين لا تصلح للعقد ، وصدق رحمه الله تعالى ، وهو البصير بها ، فإنها ليست متونًا متقنة كمتون العلماء السابقين ، وفيها من الركاكة والاستطراد ، وعدم فهم بعض ما ينقلونه من كلام أهل العلم أحيانًا .

(9) علمت أخيرًا أنه تحت الطبع ، وسيصدر قريبًا بإذن الله تعالى .

( 10) هذا يسمى إدماجًا وتداخلاً ، كما قال العلامة العلوي في (( مجد العوافي )) :

مَا جَمَعَتْ كَلِمَةٌ شَطْرَيْهِ جَا ....... ءَ مُتَدَاخِلًا وَجَاءَ مُدْمَجَا

(11) سألت ابنه الدكتور الشيخ محمد بن محمد سالم - وهو يعرف عن والده ما لم نعرفه - عن مراده بقوله : (( لَكِنَّنِي وَرِثْتُ سَهْمَ الْقُعْدَُدِ )) فأجابني أن مراده رحمه الله تعالى بهذا المصراع مخاطبته لمن رغب إليه نظم هذا المتن بأنه لا فرق بينه وبيننا إلا بتقدمه في السن ، وقربه إلى الأشياخ المتقدمين وجلوسه للتعليم بعدهم ، فانظر إلى هذا التواضع العجيب .

ومعنى لفظ (( القعدد )) هو من كان قريب الآباء إلى الجد الأكبر ، وفي هذا المصراع تلميح إلى قول الشاعر :

أَمِرُونَ وَلَّادُونَ كُلَّ مُبَارَكٍ       طَرِفونَ لا يَرِثُونَ سَهْمَ الْقُعْدَُدِ

راجع (( إصلاح المنطق )) لابن السِّكِّيت ، ص : ( 102 ) تحقيق : أحمد شاكر ، وعبدالسلام هارون - طبعة دار المعارف بمصر .

(12) شقا : بالقصر وهي لغة صحيحة .

(13) جي : بالتسهيل ؛ لوقوعها قافية .

 (14) تحفُّظُه على العلّامة الطوفيّ رحمه الله تعالى بسبب ما نقل عنه من تصريحه بالرفض ، وقد وصفه الحافظ الذهبي بهذا في ((ذيل تاريخ الإسلام)) ثم قال : ((وقيل تاب في الآخر من الرفض والهجاء)) وتحامل عليه الحافظ ابن رجب تحاملًا شديدًا في كتابه ((الذيل على طبقات الحنابلة)) ودافع عنه عدد من المشايخ المعاصرين كـ ((مصطفى زيد ، وحمزة الفعر ، وسالم القرنيّ ، وإبراهيم آل إبراهيم ، وعبدالله التركيّ)) وغيرهم ، وأثبتوا أن وصفه بالرفض هو بسبب حسد بعض معاصريه له ، وبسبب نقوله عن الرافضة ، وأبلغ رد على هذا الاتهام أنه كان يترضى عن الصحابة رضي الله عنهم ، ويرد على الرافضة ، ويفند آراءهم .

وانظر دراسة مفصلة عنه لأخينا الفاضل الدكتور : محمد الفاضل ، ضمن المقدمة الدراسية لتحقيق كتاب (( الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية )) للعلامة الطوفيّ ، رحمه الله تعالى ، ورحم مشايخنا جميعًا .

 

بقلم العبد المفتقر إلى عفو ربه ومغفرته

 عبدالله بن محمد سفيان الحكميّ المذحِجِيّ

ربيع ثاني - 1433 هـ          

 

 

 

 

Web Traffic Statistics