.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

سبق في المقال الشهريّ لربيع الثاني أن تكلمت عن تواضع العلماء ، وتحدثت فيه عن علمين : هما الشيخ عبدالله العقيل ، وشيخ مشايخنا الشيخ حافظ بن أحمد الحكميّ رحمه الله تعالى ، ووعدت بالحديث عن شيخنا محمد سالم بن عدّود رحمه الله تعالى والشيخ عبدالله الجبرين ، وبينمـا كنت أتهيأ للكتابة عن هاذين العلمين إذ بنا جميعاً نفجع برحيل شيخنا الجليل النحرير علامة المعقول والمنقول محمد سالم يوم الأربعاء الموافق للرابع من شهر جمادى الأولى من هذا العام 1430 هـ ، فاضطررت إلى الحديث عن موت العلماء ، وختمت الحديث عنه بذكر شيء من تواضعه أعلى الله منزلته وجبر مصاب الأمة فيه .

وبعده بأسبوع رحل العالم المجاهد صاحب المواقف الشهيرة في موريتانيا الشيخ بـُدَّاه ولد البوصيريّ رحمه الله تعالى ، نسأل الله أن يخلف هذين العلمين في هذه الأمة خيراً .

وأَصِل في هذا المقال إلى الحديث عن تواضع شيخنا العلامة الزاهد الفقيه الناسك عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين ، شفاه الله وأسبغ على جسده نعمة العافية ، وأعاده إلى حلق العلم وإفادة الطالبين بمنه وكرمه .

وكما قلت عن الأعلام السابقين لست هنا بصدد الترجمة له ، ومن أراد أن يعرف شيئاً عن سيرته فليرجع إلى موقعه الذي يحمل اسمه الكريم ، فقد كُتبت عنه ترجمة وافيه .

وآخر أخبار أحواله الصحية أنه عاد من ألمانيا لمتابعة معالجته في مستشفى الملك فيصل التخصصيّ ، بعد أن تحددت نوعية العلاج المناسب له .

نسأل الله تعالى أن يقـرّ أعيننا ويفرح قلوبنا بشفائه .

أما تواضعه : فيندر في زماننا أن تجـد مثيلاً له في تواضعه ، فكل من عرف الشيخ وجالسه واستمع إليه يقطع أنه مثال للتواضع قل نظيره في هذه الأزمة المتأخرة ، مع شعور من يراه بالهيبة والوقار المتزن بسمت العلمـاء الربانين .

والدلائل على تواضع هذا الشيخ الجليل قسمـان : أقواله وسلوكه .

أما أقواله : فيكفي أن استشهد بمثالين :

أولهمـا من مقدمة كتابه (( أخبار الآحاد في الحديث النبويّ : حجيتها - مفادها - العمل بموجبها )) .

الثاني من مقدمة تحقيقه لـ (( شرح الزركشيّ على مختصر الخرقيّ )) .

 ولنتأمل معاً قوله في مقدمة (( أخبار الآحاد .. )) :

(( وبعد : فلما كنت في سنّ الطلب والإعداد لنيل درجة الماجستير اخترت أن أكتب الرسالة في أخبار الآحاد في الحديث النبويّ ، فجمعت في ذلك الحين ما تيسر على عجل كمبتدئ ، وقام بالإشراف على البحث فضيلة الشيخ عبدالرزاق عفيفيّ وقدمت الرسالة للبحث فنالت درجة الامتياز لانفرادها في الموضوع لا لقوة الأسلوب ولا لعمق البحث ، وكنت بعد ذلك أهم بأن أعيد النظر فيها ، وأتوسع فيها ، وأحقق ما يحتاج إلى التحقيق ، وأزيد في مناقشة بعض تلك الشبهات ، وأراجع  بعض ما فاتني من المراجع ، ولكن الانشغال بالأعمال الإدارية حال دون تحقيق ما أتمنى )) .

ثم قال بعد ذلك تحت عنوان (( اعتراف واعتذار )) :

(( وأخيراً ، وبعد أن وفق الله وله الحمد على إكمال البحث في هذا الباب فإني أعتذر إلى أخي القارئ عما يعثر عليه من قصور وتقصير في اللفظ وأن من أسباب ذلك :

1- ما أنا معترف به من النقص وعدم الأهلية لهذا الموضوع المهم الذي يستدعي ممارسة وتردداً في علم الكلام وما يتصل به .

2- القصور مرة أخرى في علم اللغة ومفرداتها وتراكيبها ، فإنه لم يكن لي سابق قراءة في علم البلاغة وأدب اللغة ، وما يتصل بذلك مما سبب لي عدم المقدرة على التعبير بوضوح وإيفاء المقام حقه .

3- إن هذا الباب لم يكثر العلماء المحققون الخوض فيه وإفراده على حدة ، واستيفاء الكلام حوله .

4- قلة المراجع وتعذر الحصول على الكتب التي يُـظَـن أن أربابها طرقوا هذا الباب وناقشوه ، فقد ذكر بعض المؤلفين في أصول الحديث أسماء كتب كثيرة رجعوا إليها فحاولت الظفر بشيء منها فما وجدت إلى ذلك  سبيلا ، مع ما بذلت من بحث وتنقيب في أغلب المكتبات الوطنية ، ولقد كان جل اعتمادي على كتب أصول الفقه التي لايخلو مؤلف منها  من التعرض لهذا الباب ، مع اختلافها في الطول والقصر ، ومع توافقها كثيراً باللفظ أو بالمعنى ، مما يوجب الاقتصار على البعض منها .

5- قصر مدة الجمع لهذه الرسالة فلم يقدر لي البدء في الكتابة إلا قبل موعد تقديم الرسائل بشهرين فقط مما اضطرني إلى الاختصار والتوقف كثيراً على مطالعة بعض المراجع دون البعض .

ثم لايفوتني أن أعلن الاعتراف بالفضل والامتنان لفضيلة شيخنا وشيخ مشايخنا الأستاذ الكبير الشيخ عبدالرزاق عفيفيّ الذي تبنى الإشراف على رسالتي وساعدني في إنجازها بالحض والتحريض فلقد وجدت من فضيلته من الحنان والشفقة والنصح والإخلاص ما تذكرت به حال العلماء المخلصين ، فكان وفقه الله (1) يوليني من الاعتناء والإقبال مالا مزيد عليه مع ما هو فيه من الأشغال والأعمال الإدارية .

ثم أعيد له الاعتراف مرة ثانية بما انتفعت به أنا وغيري من تعليقاته التي تفضل بإثباتها في حواشي كتاب الإحكام للآمديّ ، طبعة مؤسسة النور ، فلقد كان جل اعتمادي عليها سيما في التعقيبات والمناقشات ، فما زدت أن نقلتها في مواضعها من هذه الرسالة بالمعنى أحيانا ، وأحيانا بالحرف .

ولقد تحرى وفقه الله الدقة في اللفظ والمعنى فقلّ أن تجد له عبارة يمكن تعقبها بما له وجه من النظر ، وإن ذلك لدليل الممارسة والتبحر في هذا الباب كغيره ، فشكر الله له وأثابه رضاه ، والله أعلم .))  انتهى .

ولعلي أقف أخي الكريم معك بعض الوقفات مع هذه الكلمات .

أولاً : أن هـذا الكلام يفيض كله تواضعاً ، فلقد اعتبر نفسه حين دخل مرحلة العالـِمية (( الماجستير )) مبتدئاً ، وأنه ما زال في سن الطلب ، مع أنه في ذلك الوقت قد لازم شيخه العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي عام المملكة في وقته ، حتى توفي رحمه الله تعالى ، ونهل من علمه الكثير ، وكان ملازماً  في ذلك الوقت لأكابر تلاميذ الشيخ محمد ابن إبراهيم ، أمثال الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ عبدالله بن حميد ، رحم الله الجميع .

ثانياً : أنه حينما أخبر بأن رسالته نالت درجة الامتياز عزا حصوله على هذه الدرجة إلى تفردها في هذا الموضوع ، وهو موضوع أخبار الآحاد ، وليس لقوة أسلوبها وعمقها .

ولو أن أحداً غيره حصل على هذه الدرجة ، لطار بها فرحاً ، وظن أنه أتى بما لم يأت به أحد ، ولَـمَـا تحـسر على عدم تمكنه من إعادة النظر فيها .

ثالثاً : إطلاقه القول بعدم أهليته للكتابة في هذا الموضوع ، وذكر أسباباً عدة لعدم أهليته ، منها قصور معرفته ببعض العلوم كالبلاغة والأدب وغيرهما ، مع أن له إلماماً جيداً بهذه العلوم ، ولكنه التواضع .

رابعاً : ومن دلائل تواضعه المفرط إشادته البالغة بشيخه العفيفيّ ، وأن جُـلّ تعويله واعتماده في هذه الرسالة عليه وعلى تعليقاته على كتاب (( الإحكام في أصول الأحكام )) للإمام الآمديّ ، رحمه الله تعالى .

خامساً : قد يقول قائل : لعل الشيخ قال هذا الكلام في بداية الطلب ، وهذا ولاريب احتمال غير صحيح ، لأنه كتب هذه المقدمة في 23-11-1404 هـ  ، أي أن عمره آنذاك قرابة الثالثة والخمسين ، وكان في ذلك الوقت يلقي الدروس في أمهات الكتب ، ويلقي المحاضرات ، ويفتي الناس ، ويدرس في كلية الشريعة بالإضافة إلى عمله عضواً للإفتاء في الرئاسة العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد ، أيام كان سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى رئيساً لها ، ومفتياً عاماً للمملكة .

وفي هذا الوقت كان قد فرغ من تحقيق (( شرح الزركشي لمختصر الخرقيّ )) وقد بلغني أن المشرف على الرسالة  أو غيره عرض على الشيخ  عبدالرزاق عفيفيّ أن يشترك في مناقشة الرسالة ، فرد عليهم العفيفيّ قائلاً : إن مثلي لا يناقش الشيخ عبدالله الجبرين ، وامتنع عن الموافقة .

ومما يـرُدُّ الاحتمال أنه قال ذلك في بداية الطلب قوله في خاتمة تحقيقه لـ (( شرح الزركشيّ )) (107/1) - وهو المثال الثاني الذي وعدتُ به - :  (( وبالجملة فقد بذلت ما أستطيعه من جهدي المكدود في تصحيح النص وإخراجه سليمـاً من الأخطاء والتحريفات ، والتزمت التعليق على ما فيه خفاء أو التباس ، أما الترجيح بين الأقوال ، وتصويب بعض الروايات ونحو ذلك ، فهذا مجال واسع ، يستدعي نـقـاشا طويلاً ، وفحصاً عن وجوه الأدلة ، وتمكنا في معرفة الخلاف ، وزيادة في التعليل ، وأجـوبة كافية عن أدلة الآخرين ، وهـذا ما لا يتسع له وقتنا المزحوم بكثرة الأعمال ، وما لا تصل إليه أفهامنا في هذا الزمان )) .

ولك أن تضع تحت قوله : (( ومالا تصل إليه أفهامنا في هذا الزمان )) خطوطاً عدة .

أما دلالة سلوكه على تواضعه فهذا لايمكن لي وأنا قليل الاتصال بالشيخ أن أتحدث عنه ، لكن كل من جالس الشيخ ورأى بـِشْـره وطيب معشره ، واستمـاعه للصغير والكبير ، يدرك أن التواضع سمة ملازمة له وسمت يتخلق به .

ويستجيب لدعوة أفقر الناس وأقلهم وزناً في المجتمع ، ويمتنع عن تقبيل رأسه حتى من الصغار .

ولي معه بعض المواقف المحدودة لولا أنها ستفسّـر بأنها من قبيل التسويق لشخضي الضعيف كمـا يقول الإعلاميون ، لذكرتها .

وقد لقي من بعض المبتدعة ، ومن بعض من ينتسب للعلم والدعوة أذى كثيراً ، ولكنه لم يأبه لذلك  .

أسأل الله تعالى أن يمن علينا بشفائه ، وأن يبارك في بقية حياته ، إنه خير مسؤول .

وصلى الله وسلم على خير خلقه ، وعلى آله وصحبه ، ومن اتبع هداه ، واستن بسنته إلى يوم الدين .

____________

(1) كان العلامة الشيخ العفيفيّ رحمه الله تعالى حياً حين كتب الشيخ الجبرين هذه المقدمة .

 

 

 

Web Traffic Statistics