.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

 

الحمد لله القائل : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} الفرقان :62 .

والصلاة والسلام على من بلَّغ عنه كل ما يُصْلِـح البشرية ، ويوصلها إلى حياة السعادة في الدنيا والآخرة ، نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

وبعد : فإن الله تعالى قد ابتلانا بالخيـر والشر : {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} الأنبياء : 35 .

وإزاء ميزان الابتلاء بالخيـر والشر علينا أن نتذكر ما أفاءه الله علينا من نعم لا نستطيع إحصاءها في حين حُرِم منها آخرون لِحِكَمٍ يعلمها جلَّت قدرته ، ولا نعلم منها شيئًا ، ونسأله تعالى ألا تكون  استدراجًا لنا .

تذكَّر أخي المسلم ما أنت فيه من نعمة الأمن حيث يبيت الواحد منا بين أهله وأولاده ويصدق عليه قول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم : (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافىً فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) (1) .

تذكَّر أخي الحبيب وأنت تبيت آمناً في سربك من يبيت من إخواننا في سوريا رهن المعتقلات والتعذيب والحرمان من النوم والطعام والشراب ، يأخذه المجرمون وأهله وأولاده ينظرون ، أو تنتهك أعراض زوجته وبناته أمامه ، ثم يقتلونهن ، ويلحقون بـهن هذا الأب المنكوب .

هل يستطيع أحد منا أن يتصور ذلك أو يحتمل إطالة التفكير فيه ، إن هذا المشهد وغيره من المشاهد الفظيعة ، أصبحت مــعــتــادة ، يـمـارسها خنازير الرافضة وأزلام النصيـرية اللعينة ، مع أهلنا في الشام ليلاً ونــهــارًا .

تذكَّر -أخي الحبيب- وأنت تبيت وتصبح آمناً في أسرتك وبين جيرانك إخوانًا لك في بلاد الشام لا يجد الأمن إلى مشاعرهم سبيلاً ، يصب عليهم أنجاس الرافضة وشِبِّيحة النصيرية النار من فوق رؤوسهم ، وتدك المدافع بيوتهم عليهم ، وصارت هذه البيوت مقابر جماعية لأجسادهم ، ومن نجا أفاق على جثث أسرته ، والأسرة التي تسلم اليوم تنتظر مصيرها غدًا وإن بقيت إلى غد ، فإنها تنتظر إحدى مصيبتين : إما الهلاك ، وإما اقتحام الوحوش الضارية لتفتك بأعراضهم استباحة وتقتيلاً .

إن فرعون الذي وصفه الله تعالى بأنه {عَلَا فِي الْأَرْضِ } كان يستحيي النساء ، أي يستبقيهن للخدمة ، أما هؤلاء فإنهم لا يبقون على أي نفس منفوسة ، يعشقون إهلاك الحرث والنسل لعنهم الله وأخزاهم وعجَّل بزوالهم ، وطهَّر الأرض من رجسهم ، ووالله لم نسمع في التاريخ كله بمن قاربهم في الإجرام .

تذكَّر أخي الحبيب وأنت تتقلب في نعم الله صباحَ مساءَ إخوانك المشردين الذين نزحوا إلى حدود الدول المجاورة ، وما يعانونه من جوع وعري ، وأمراض وخوف من المجهول ، تذكَّر أحوالهم ومُـدَّ يد العون لهم ، فكم من طفل أنهكه الجوع والمرض ، والـحر الشديد وقريـبـًا يشتد عليهم البرد ، ليزيد أجسادهم العارية وأجوافهم الجوعى بلاء على بلائهم غير أننا نرجوا الله أن يعجِّل بتفريج كربتهم .

تذكَّر أخي الحبيب الأمهات الثكالى ، والشيوخ المحزونين ، والأطفال الذين يموتون كل يوم بالعشرات من الجوع والعري والـمـرض .

ووالله لقد عجز العقل عن التفكيـر ، وقصر البيان عن التعبيـر ، وكادت النفوس تحترق والقلوب تتميز من الغيظ ؛ لما يجري لإخواننا في بلاد الشام .

تذكَّر -أيـها الأخ الشفوق- وأنت  تتمتع بالعافية في بدنك والسلامة من الأمراض أناسـًا من إخوانك في بلاد الله عَدَت الأمراض على أجسادهم وأقعدتهم عن عبادة ربهم ، وعن سائر أعمـالهم  تذكَّر حين تنام قرير العين على الفراش الوثير والوسادة الناعمة أن مِن إخوانك من يبيت مُسَهَّداً من شدة الأوجاع المبرحة والأسقام المنهكة ، وكم منهم من لا يجد الفراش ولا الغطاء ، يفترش الأرض ويلتحف السماء ، يتضوَّر من الجوع ويتقلب من الآلام في سجون الظالمين ، وفي أكثر بلاد المسلمين التي حكمها اللصوص ونهبوا ثرواتها ، وأودعوها في بنوك الغرب ، وستكون عليهم بإذن الله حسرة وندامة ووبالاً .

تذكَّر يا من تشعر بمعاناة إخوانك ، وتتألم لما يصيبهم ، وتفرح لفرحهم ، تذكر وأنت تتناول الطعام مع أبنائك -وربما كان أكثر الأبناء يجلسون معك وهم لا يشتهونه مع تنوعه وما يشتمل عليه من أطايب النعم- أن أبناء إخواننا في سوريا وبورما وغيرهــمـا في المنافي لا يـجـدون ما يسدون به الرمق  ومنهم من يموت جوعـًا .

تذكَّر أن هؤلاء لا يجدون الكساء ولا الدواء ، ونحن وأبناؤنا نرفل في أجمل الكساء وصيدليات الدواء في بلادنا تملأ الأحياء ، ونركب المراكب الفارهة ، وكثير منا يغير سيارته أو سيارات أبنائه وهي صالحة للاستعمال  ولكن رغبة في الاستمتاع بالجديد ، وإظهارًا للأُبـَّــهـه والمخيلة ، وإن كُـتِب لك أن تزور أحد المشايخ السمينين - وأقصد بعض المنـتسبين للعلم والدعوة وللأسف الشديد - فسترى أنواع السيارات الفارهة ذات الماركات والموديلات الحديثة المتنوعة ، تزيد على الأربع والخمس ، أو أكثر أحياناً ، وقد تزيد قيمة بعضها على ربع مليون ، وعذرًا عن هذه المسميات الأجنبية .

وأذكر مرة أن أحد القضاة عزم عددًا من المشايخ المشاركين في توعية الحج في عام 1407هـ ، وكنت معهم ، وكانت آخر مشاركة لي ، وكان هذا القاضي غفر الله لنا وله يحب التباهي بما أفاء الله عليه من نعم  وأنزَلنا في منـزل ، ووضع لنا الطعام في منـزل له آخر مجاور ، وكان أمام الباب سيارات عدة يملكها  فأَطْلَعَنا عليها وكان مما قاله لنا حينها مشيـراً إلى أحدثها من نوع مرسيدس ، هذه سيارتي الجديدة ، لكنني سأحج على السيارة الأخرى ، وأشار إليها ؛ لأن فيها هاتفاً احتاج إلى استعماله في فترة الحج ، فعجبت في حينها لهذا السخف ، مع أن معنا من كان يظهر على وجهه الانبهار والإعجاب بمـا رأى .

وأسوأ من هذا من يشتري رقمـًا مميزًا يريده لسيارته ، أو يشتري أرقام هاتف محمول لأنها بعدد واحد مكرر ، بملايين الدنانير أو الدولارات ، بل بلغ الانحطاط والخذلان والسقوط الأخلاقيّ وانعدام المروءة ببعضهم أن يشتري سروالاً أو أحذية أو جورباً لأحد المشاهير بالفحشاء ؛ كالمغنين والمغنيات أو الممثلين والممثلات بمبالغ لا تخطر بالبال ، ولا يُستبعَد في المستقبل أن يضع هؤلاء المشاهير الـنَّـتْـنَى بعض نجاساتـهـم وأوساخهم في قوارير ليشتريها هؤلاء الممسوخون الذين نعد المجانين أفضل حالاً منهم بكثيـر .

ألا فمن يعامل هؤلاء السفهاء المخذولين بدِرَّةِ عمر رضي الله عنه ، اللهم لا تؤاخذنا بمـا فعل السفهاء منا .

أخي الحبيب : يجب علينا أن نسارع إلى حمد الله وشكره على ما أسبغ علينا من نعمه الظاهرة والباطنة ، وأن نصرّفها في طاعته جل وعلا ، ونمد يد العون لكل من يحتاج من إخواننا الـمسلمين ، وندعو الله تبارك وتقدس أن يصلح أحوال المسلمين ويرفع البأس عن إخواننا في سوريا وبورما وفلسطين ، وغيرها من بلاد المسلمين ، وأن ينصر المجاهدين المرابطين في بلاد الشام على الرافضة والنصيـريـين الحاقدين المجرمين دعاة الشرك والوثنية ، وقتلة النساء والأطفال ، ومنتهكي محارم الله.

وإننا في هذه الأيام بين موسمين عظيمين : موسم مضى نسأل الله جلّ وعلا أن يتقبل ما أودعناه فيه من عمل على ما فيه من نقص وخلل ، وموسم اقترب موعده ، وهو موسم عشر ذي الحجة ، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا وجميع المسلمين إلى العمل الصالح فيه ، وأن يوفقنا إلى الاجتهاد في تلك العشر التي أعد الله فيها من الجزاء ما يربو على عمل المجاهدين في سبيله ، إلا من خرج بنفسه وماله وأهله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ، فيا له من فضل ما أعظمه ، وثواب ما أجزله .

اللهم عجل بالفرج لإخواننا في بلاد الشام وبورما ، اللهم الطف بهم ، وارفع البلاء عنهم ومكِّن لهم ، اللهم عليك ببشار وجنوده وأهله وأعوانه من الروافض المجوس الأنجاس ، اللهم أفرح قلوبنا بهلاكهم ، اللهم عليك بحامية الصليبية أمريكا وربيبتها إسرائيل ومن يؤازرهما ودول الشيوعية وعلى رأسها روسيا والصين ، اللهم قوِّض ممالكهم وأقم على أنقاضها دولة الإسلام ، اللهم هيئ لهذه الأمة قادة ربانيـين تصلح بهم العباد والبلاد في مشارق الأرض ومغاربها ، يا حيّ يا قيوم ، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واقتفى أثرهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين .

وكتبه            

عبدالله بن محمد سفيان الحكميّ

المشرف على موقع روائع المتون العلمية

في ذي القعدة / 1433هـ

 

ـــــــــــــــــــــ

* الـهـوامش  :

(1) هذا الحديث ورد عن جمع من الصحابة ، منهم عمر وابنه ، وأبو الدرداء ، ومِـحْصَن الخَطْمِي رضي الله عنهم ، ولا يخلو طريق من طرقه من متكلَّم فيه ، لكنها بمجموعها يكون حسناً لغيره .

راجع الحديث في جامع الترمذي ، ط : الرسالة برقم (2500) وابن ماجه برقم (4141) عن مِـحْصَن ، وفي الأوسط للطبرانيّ برقم (8875) عن عمر ، وفي الأوسط كذلك برقم (1828) عن ابن عمر ، وكلها ضعيفة لكن ضعفها ضعف منجبـر ، يعضد بعضها بعضا .

 

 

 

 

Web Traffic Statistics