.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

 

الحمد لله القائل : {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} الشورى :(28) والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج الـمنير ، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم واقتفى آثرهم إلى يوم الدين .

وبعد : فإن آية نزول الغيث وانهمـار المطر من أعجب آيات الله الباهرة ، ولكن قَلَّ من يتأمل فيها بسبب حجاب الغفلة ، وران الذنوب والآثام المسيطرة على القلوب ، وهناك سبب ثالث ، وهو ضعف الحس الإيمـانـيّ الذي سبق الحديث عنه ، وسبب رابع ، وهو طول إِلْـفِ مشاهدة هذه الآية وغيرها .

إن الله عز وجل دعانا إلى التفكر في آياته الكونية العظيمة لأن التفكر فيها من أعظم البواعث على زيادة الإيمـان به تعالى .

وحسبنا قوله تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} البقرة (164) .

والناظر في هذه الآية يلحظ أن الله تعالى ذكر فيها آيتين تتعلقان بموضوعنا ، هما : إنزال الماء من السمـاء ، والسحاب المسخر بين السمـاء والأرض ، والماء الـمنـزل من السمـاء هو من السحاب الذي يبسطه خالقه ومبدعه في السمـاء كيف يشاء .

 ولقد عشنا في هذا الربيع أيامًا من أجمل أيام الله ، تّلبّدت فيه سمـاء الرياض وغيرها من المدن والقرى بالسحب الدوالح (1) ، وفتح الله أبواب السمـاء بمـاء منهمر ، فتدفقت الأودية والشعاب بالسيول  وجرى هذا في جُلّ شبه الجزيرة العربية ، ولله الحمد والـمِـنَّـة .

لقد رأينا في الأيام الغابرة آية نزول المطر ، وخرج الكثير من الناس ليستمتعوا بمشاهدة آثار رحمة الله تعالى  لكن من منا تفكر في هذه الآية العجيبة ؟ وكيف ينشئ الله السحاب ؟ وكيف يمسكه بين السموات والأرض وهو سيل طائر ؟ وكيف أن الله ينزله قطرات متتابعة ؟ ولو أنزله دفعة واحدة لأهلك الحرث والنسل .

ثم إذا نزل صرّفه الله تصريفًا عجيبًا مدهشًا ، فبعضه يصيره أنهارًا ، وبعضه يمتصه التراب ليحفظه في جوف الأرض في خزانات ،إذا أراد البشر الانتفاع به حفروا عنه بواسطة الآلات.

فلو أن المطر الغزير يبقى على وجه الأرض دون تصريف ، لأعاق الناس عن السير في الطرقات ، وتحول إلى فيضان مدمر ، فسبحان الله المدبر المتصرف الذي يقول للشيء كن فيكون .

 وياليتنا نستحضر حينما نشاهد نزول الغيث قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} النور : (43).

وقوله تعالى : {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الروم (48-50).

ولقد سمعت في مقتبل عمري ، ومع بداية دراستي الجامعية أبياتًا رجزية رائعة صور فيها ناظمها آية نزول الغيث تصويرًا بديعًا يدل على حسن التدبر وكمال التفكر عند هذا الناظم ، ورَدَّ على الملاحدة الذين يقولون : إن هذا من تصريف الطبيعة الصماء ، خابوا وخسروا .

 قال ناظم هذا الأبيات :

ثم رد على الملحدين الذين يقولون : إن ظاهرة المطر من الظواهر الكونية التي تحصل نتيجة تفاعل الطبيعة ليس إلا ، تعالى الله عمـا يقولون عُلوًّا كبيرًا ، فقال في رده :

وأحيلك على هذا الرابط(4) لترى كيف يبسط الله سبحانه السحاب في السمـاء ، وكيف يتحرك فيها حركة مدهشة عجيبة كل العجب .

أحبتي في الله : إن التفكر في آيات الله الكونية في أرضه وسمـائه عبادة وقربة : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} آل عمران (190-191) .

ويحسن بنا ونحن نُـعايش هذه الآية الكونية العجيبة ، وننعم بها أن نتعامل معها بمـا حث عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك :

 1) أن نفرح بـهذه النعمة العظيمة التي لـم يجعلها عذاباً متمثِّلاً في الغرق ، ولـم يجعلها مطراً ضعيفاً لا يسقي العباد والبلاد ، وصدق الله تعالى إذ يقول : {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} الشورى : (28) .

ومن لوازم هذا الفرح أن يقول المسلم بعد نزول المطر:((مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِه (5))) .

2) أن نعـرِّض أجسامنا له ، ونكشف رؤوسنا لتصيبها قطراته ؛ لما ثبت عن أنس رضي الله عنه قال : ((أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَطَرٌ ، قَالَ : فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى(6))) .

3) يسن عند نــزوله أن نقول : ((صَيِّبـًا نَافِعًا(7))) وعند سمـاع الرعــد يـحـسن بنا أن نقول هذا الذكر ((سُبْحَانَ مَن يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ، وَالْمَلَائِكَةُ مِن خِيفَتِه(8))) .

والدعاء عند نزول الغيث من مَظِنَّـات الإجابة ، وقد وردت أحاديث كثيـرة في ذلك في ثبوتها خلاف لكنها بمجموع طرقها تـتعاضد ، وبعضهم يصحح بعض طرقها ، وعن السلف آثار كثيرة تدل على أن لهذا أصلاً عن المصطفى صلى الله عليه وسلم .

4) وكـمـا يُـشرع للمسلمين أن يستسقوا إذا أصابهم الجدب يشرع لهم كذلك أن يسألوا ربهم رفع المطر وتحوله عنهم إلى الضراب والآكام والأودية ومنابت الشجر ؛ لما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليهم وسلم استسقى حينمـا طلب منه رجل أثناء خطبته عليه الصلاة والسلام أن يستسقي لهم ، فرفع يديه وقال : (( اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ،  قَالَ أَنَسٌ : وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِن سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِن بَيْتٍ وَلَا دَارٍ ، قَالَ : فَطَلَعَتْ مِن وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ ، قَالَ : فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا ، قَالَ : ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِن ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائـِمٌ يَخْطُبُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائـِمًا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانقَطَعَتِ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا ، قَالَ : فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَيْنَا ، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّـرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ، فَانقَلَعَتْ ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ (9)))  .

4) يترتب على نزول المطر أحكام شرعية تدل على محاسن هذا الدين العظيم ، وأن الله شرعه رحمة للعالمين.

ومن هذه الأحكام أن المطر إذا نزل غزيراً عقِب صلاة المغرب بحيث يبل الثياب شُرع لنا الجمع بين العشاءين ، لكننا اليوم بين التساهل الشديد فيجمع بعضهم لأيّ رش يسير ينزل وبعضهم يتنطع فلا يـحـيـي هذه السنة مهمـا كان الـمطر غزيراً ، ومهمـا كانت المشقة ظاهرة ، وكلا الفريـقــيـن على جـهــل والله المستعان .

ويُشرع كذلك إذا تعذر ذهاب الناس إلى المساجد بسبب غزارة المطر ، واشتداد الريح وكثرة الوحل أن ينادي المؤذنون في الناس : ((الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ(10))) كمـا في حديث ابن عباس رضي الله عنهمـا وبنحوه حديث ابن عمر رضي الله عنهمـا : (( أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ (11))) .

هذه إشارة سريعة إلى ما ينبغي أن نتعامل به مع هذه النعمة العظيمة نعمة نزول الغيث .

نسأل الله تعالى أن يزيدنا جميعاً من فضله ، ويجعل ما أنعم به علينا عونا لنا على طاعته ويبصرنا بعيوبنا ، ويوفقنا إلى العمل الذي يرضيه عنا ، وصلّى الله وسلّم على خير خلقه وخاتم رسله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه ،والحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وكتبه            

عبدالله بن محمد سفيان الحكميّ

المشرف على موقع روائع المتون العلمية

في صفر / 1434هـ

 

ـــــــــــــــــــــ

* الـهـوامش  :

1) الدَّوَالِح : وكذا (( الدُّلَّح )) وسحابة دَلُوح : هي الكثيرة الماء .

راجع (( أساس البلاغة )) ص (134- د ل ح ) .

(2) قطارًا : أي قطرات متـتابعة .

(3) لا أعرف قائل هذه الأبيات ، وقد سمعتها من الشيخ عبدالمجيد الزندانـيّ في محاضرة له في الرياض عام 1395هـ ، أي من نحو 39 سنة وأنا في المستوى الأول من قسم الدعوة وأصول الدين ، أيام كان قسمـًا في كلية الشريعة ، ثم أصبح كلية مستقلة بعد ذلك .

(4) انظر الرابط .  

(5) هذا الدعاء مأخوذ من الحديث المتفق عليه عن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله عنه في خبر صلاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الصبح بصحابته في الحديبية ، وفيه : (( فَأَمَّا مَن قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِـي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَن قَالَ : مُطِرْنَـا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِـي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ )) .

انظر صحيح البخاريّ برقم (846) وأخرجه في مواضع أخرى ، وصحيح مسلم برقم (71) .

(6) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه برقم (898) .

(7) أخرجه البخاريّ من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها برقم (1032) .

(8) أخرجه مالك في الموطأ موقوفاً على ابن الزبير رضي الله عنهما برقم (2449-رواية الليثيّ) وصحح النوويّ إسناده في الأذكار : ص(301) محي الدين مستو .

(9) في صحيح البخاريّ عن أنس رضي الله عنه في مواضع عدة ، وهذا السياق برقم (1021) وأخرجه مسلم برقم (897) بنحوه .

(10) متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهمـا ، عند البخاريّ برقمي (668) و (901) وعند مسلم برقم (699) .

(11) متفق عليه : انظر صحيح البخاريّ برقم (666) وصحيح مسلم برقم (697) .

 

 

 

 

 

 

 

Web Traffic Statistics