.... أهلاً وسهلا بطلاب العلم في موقع المتون العلمية ..... أهلا وسهلا بزوارنا الكرام ...........

 

الحمدلله القائل : ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) التوبة : 36 ، والحمدلله القائل : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) يونس : 5 ، والحمدلله القائل : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) الفرقان 62 ، وصلى الله وسـلم على نبيه المصطفى وخليله المجتبى القائل : (( إن الزمان قد استدار كهيئته (1) يوم خلق الله السمـاوات والأرض : السنة اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب ، شهر مضر (2) ، الذي بين جمادى وشعبان ... )) (3) .

اللهم صلّ وسلم على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، وعلى من اقتفى أثرهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين .

وبعد : فنعتذر عن طول هذه الإجازة ، ونعود إليكم يملأ قلوبنا الاشتياق إلى مواصلة الحديث إليكم،سائلين الله تعالى أن يوفقنا وإياكم إلى حسن القول وحسن العمل .

أيها الإخوة الأحبة : إننا في هذه الأيام نوشك أن نودع عاماً مضى بما فيه من أعمال ، نسأل الله تعالى أن يتقبلها منا ومن المسلمين جميعاً ، ويغفرلنا سيئاتنا ، ويمن علينا بالعودة الصادقة إلى التمسك بديننا .

والمتأمل في هذه الآيات البينات ، وفي هذا الحديث الشريف المتفق عليه يخرج بمعالم ثابته لايطرأ عليها التبديل والتغيير إلى يوم القيامة .

أول هذه المعالم : أن الله تعالى خلق الزمن وجعله ظرفاً للعمل الصالح .

وهذا الزمن حدده جل وعلا بـ (( اثني عشر شهراً )) وجعل ثلثها أشهراً حرماً ، وللإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه النافع الماتع (( لطائف المعارف )) كلام نفيس جداً يحسن إيراد بعضه هنا :

قال رحمه الله تعالى : (( أخبر سبحانه وتعالى أنه علق معرفة السنين والحساب على تقدير القمر منازلَ  وقيل : بل على جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ؛ لأن حساب السنة والشهر يعرف بالقمر ، واليوم والأسبوع يعرف بالشمس ، وبهما يتم الحساب .

وقوله تعالى : ( لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ...) لـمّـا كان الشهر الهلاليّ لا يحتَاج إلى عدّ لتوفيته بمـا بين الهلالين ، لم يقل لتعلموا عدد الشهور ؛ فإن الشهر لا يُحتَاج  إلى عدّه إلا إذا غُمَّ آخره ، فيكمل عدده بالاتفاق ، إلا في شهر شعبان إذا غُمَّ آخره بالنسبة إلى صوم رمضان خاصة ، فإن فيه اختلافاً مشهوراً .

وأما السنة فلابد من عددها ، إذ ليس لها حد ظاهر في السماء فيُحتاج إلى عددها بالشهور ، ولاسيما مع تطاول السنين وتعدّدها )) .

ثم تابع كلامه في بيان الحكمة الإلهية من جعل عدة الشهور اثني عشر شهراً فقال : (( وجعل الله السنة اثني عشر شهراً ، كما قال تعالى : ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ ... ) وذلك بعدد البُروج التي تكمل بدور الشمس فيها السنة الشمسية ، فإذا دار القمر فيها كلها كَمُلَتْ دورته السنوية ؛ وإنما جعل الله الاعتبار بدور القمر ؛ لأن ظهوره في السماء لايحتاج إلى حساب ولا كتاب ، بل هو أمر ظاهر يُشاهد بالبصر ، بخلاف سير الشمس ، فإنه يحتاج معرفته إلى حساب وكتاب ، فلم يُحوجْنا إلى ذلك ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنا أمة أُمية لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا - وأشار بأصابعه العشر ، وخَنَسَ (4) إبهامه في الثالثة - صُوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ؛ فإن غم عليكم فأكملوا العدة )) (5). وإنما علق الله تعالى على الشمس أحكام اليوم من الصلاة والصيام ، حيث كان ذلك أيضاً مشاهداً بالبصر لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب ؛ فالصلاة تتعلق بطلوع الفجر ، وطلوع الشمس ، وزوالها ، وغروبها ، ومصير ظل الشيء مثله ، وغروب الشفق .

والصيام يتوقت بمدة النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . وقوله تعالى : (وَالْحِسَابَ) يعني بالحساب حساب ما يحتاج إليه الناس من مصالح دينهم ودنياهم ، كصيامهم ، وفطرهم ، وحجهم ، وزكاتهم ، ونذورهم ، وكفاراتهم ، وعِدَد نسائهم ، ومُدَد إيلائهم ، ومُدَد إجاراتهم ، وحلول آجال ديونهم ، وغير ذلك مما يتوقت بالشهور والسنين . وقد قال الله عز وجل : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) البقر : 189 ، فأخبر أن الأهلة مواقيت للناس عموماً وخص الحج من بين ما يوقت به ؛ للاهتمام به )) .

ثم تحدث رحمه الله تعالى عن الوظائف التعبديه في هذه الشهور وأيامها ولياليها فقال

(( وجعل الله سبحانه وتعالى في كل يوم وليلة لعباده المؤمنين وظائف موظفة عليهم ، من وظائف طاعته ، فمنها ما هو مفترض كالصلوات الخمس ، ومنها ما  يندبون إليه من غير افتراض ، كنوافل الصلاة والذكر وغير ذلك .
جعل في شهور الأهلة وظائف  موظفة أيضاً على عباده ، كالصيام ، والزكاة ، والحج .

ومنه فرض مفروض عليهم ، كصيام رمضان ، وحجة الإسلام ، ومنه ما هو مندوب ، كصيام شعبان ، وشوال ، والأشهر الحرم .

وجعل الله سبحانه لبعض الشهور فضلاً على بعض ، كما قال : (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) وقال الله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) البقرة : 197 وقال تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) البقرة : 185 .

كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض ، وجعل ليلة القدر خيراً من ألف شهر ، وأقسم بالعشر ؛ وهي عشر ذي الحجة على الصحيح ، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ، وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته ، يُتَقرَّب بها إليه ، ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته ، يصيب بها من يعود بفضله ورحمته عليه ، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات ، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات ، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات )) (6).

المعلم الثاني : أن من الغبن الشديد ، والخسران الفادح ، والجهل المقيت ، والسفه العجيب ، أن يعيش المكلف ذكراً كان أو أنثى عمراً طويلاً يذهب أكثر من ثلثيه في النوم والراحة والطعام والشراب وسائر اللذات ، ولاينفق منه إلا اليسير جداً في طاعة الله تعالى التي يحقق بها العيش السرمديّ الأبديّ في دار النعيم المقيم .

إن هذا المسلك مسلك أهل الغفلة والضياع الذين أسكرتهم دنياهم ، وغرقوا في حمأة المعاصي ، مع التقصير الفاحش في أداء الفرائض، ومن كان هذا مسلكه فإنه على خطر عظيم، وينتظره حساب عسير.

أسأل الله تعالى أن يعافينا جميعاً من هذا الواقع الوخيم والمصير الأليم .

المعلم الثالث : كل مسلم عاقل يؤمن أننا جميعاً مسافرون إلى الله تعالى ، ولاينتهي هذا السفر إلا بدخول أول منازل الآخرة ، وهو البرزخ ، والحياة البرزخية في القبور ، هي نهاية هذه الرحلة .

فهل نحن مستعدون لها بالزاد والعتاد ؟

إن واقعنا اليوم واقع مؤسف يندى له جبين من كان يشعر بأدنى غيرة ، وذلك راجع إلى ضعف الحس الإيمانيّ ، وهو ما سأتناوله في المقال الشهري القادم بمشيئة الله وعونه ، والله من وراء القصد .

اللهم إني أسألك أن تهب لنا رحمة تهدي بها قلوبنا ، وتَلُمَّ بها شعثنا ، وتردنا بها إليك رداً جميلاً .

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ، وصل وسلم على رحمتك المهداة ، ونعمتك المسداة ، سيد الأولين والآخرين ، نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد ، وعلى آله وصحبه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قوله : (( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السمـاوات والأرض )) شرحه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله في (( فتح الباري )) (176/10- ط : طيبة ) : (( ... المراد بالزمان السنة ، وقوله : (( كهيئته )) أي استدار استدارة مثل حالته  ولفظ (( الزمان )) يطلق على قليل الوقت وكثيره ، والمراد باستدارته وقوع تاسع ذي الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل ، حيث يستوي الليل والنهار ، ووقع في حديث ابن عمر عند ابن مردويه : (( أن الزمان قد استدار ، فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض )) .

(2) بيّن الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في (( لطائف المعارف )) : ص (225) المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (( ورجب مضر )) فقال : (( وقوله صلى الله عليه وسلم (( ورجب مضر )) سُمّي رجب رجباً ، لأنه كان يُرَجَّب ، أي يعظم ، كذا قال الأصمعي ، والمفضَّل ، والفراء .

وقيل : لأن الملائكة تترجب للتسبيح والتحميد فيه ، وفي ذلك حديث  مرفوع ، إلا أنه موضوع .

 وأما إضافته إلى (( مضر ))  فقيل : لأن مضر كانت تزيد في تعظيمه واحترامه ، فنسب إليهم لذلك .

وقيل : بل كانت ربيعة تُحَرِّم رمضان ، وتُحَرِّم مضر رجباً ، فلذلك سماه رجب مضر ، وحقق ذلك بقوله :

(( الذي بين جمادى وشعبان )) .

وذكر في الموضع نفسه أن لرجب (17) اسماً ، وسردها .

(3) أخرجه بهذا السياق البخاريّ في كتاب بدء الخلق برقم (3197) وفي كتاب تفسير القرآن برقم (4662) من طريق محمد بن سيرين عن أبي بكرة رضي الله عنه ، برقم (4662) .

وله طرق أخرى عند البخاريّ بغير هذا السياق .

وأخرجه مسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات برقم (1679) من طريق ابن سيرين به مثله .

(4) قوله : (( وخَنَسَ الإبهام في الثالثة )) هذه رواية البخاريّ في كتاب الصوم من صحيحه برقم (1908) من طريق جبلة ابن سحيم عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً .

            ومعنى (( وخَنَسَ الإبهام )) أي قبضها .

            راجع النهاية : ص (289-ط : بيت الأفكار ) ص (289 - خنس ) .

(5) هذا الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، عند البخاريّ في كتاب الصوم برقم (1906) وعند مسلم في كتاب الصيام برقم (1080) (5-10) وله طرق أخرى عندهما كثيرة ، لاحاجة إلى سياقها في هذا الموضع .

(6) راجع (( لطائف المعارف )) : (38-40) مع الاختصار .

* فائدة نفيسة يحسن ذكرها :

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في (( فتح الباري )) (552/9-ط : طيبة ) : (( قيل : الحكمة في جعل المحرم أول السنة ،  أن يحصل الابتداء بشهر حرام ، ويُختم بشهر حرام ، وتتوسط السنة بشهر حرام ، وهو رجب ، وإنما توالى شهران في الآخر لإرادة تفضيل الختام ، والأعمال بالخواتيم )) .

 

 

 

 

Web Traffic Statistics